تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿بإذنه﴾.
حدثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روق في قوله :﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾ قال : السيف.
حدثنا محمد بن العباس، ثنا محمد بن عمرو زنيج، ثنا سلمة قال : قال محمد بن إسحاق قوله :﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾ قال : بالسيوف أي : القتل بإذني وتسليطي أيديكم عليهم، وكفي أيديهم عنكم.
قوله تعالى :﴿حتى إذا فشلتم﴾.
حدثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرحمان، ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : حتى ﴿إذا فشلتم﴾ يقول : جبنتم عن عدوكم. وروي عن قتادة نحو ذلك. والوجه الثاني :
حدثنا محمد بن العباس، ثنا محمد بن عمرو زنيج، ثنا سلمة قال : قال محمد بن إسحاق : حتى ﴿إذا فشلتم﴾ أي تخاذلتم.
قوله تعالى :﴿وتنازعتم﴾.
أخبرنا محمد بن سعد العوفي فيما كتب إليّ، حدثني أبي، ثنا عمي الحسين، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس في قوله :﴿وتنازعتم في الأمر﴾ فقال بعضهم لبعض لما رأوا النساء مصعدات في الجبل ورأوا الغنائم قالوا : انطلقوا إلى رسول الله ﷺ، فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها، وقالت طائفة أخرى بل نطيع رسول الله ﷺ فنثبت مكاننا.
حدثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرحمان، ثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع قوله :﴿وتنازعتم الأمر﴾ يقول : اختلفتم.
قوله تعالى :﴿في الأمر﴾.
حدثنا محمد بن العباس، ثنا محمد بن عمرو زنيج، ثنا سلمة قال : قال محمد بن إسحاق :﴿وتنازعتم في الأمر﴾ أي اختلفتم في أمري.
قوله تعالى :﴿وعصيتم من بعد ما أراكم﴾.
حدثنا محمد بن عمار، ثنا سليمان بن داود الهاشمي، ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال : ما نصر رسول الله ﷺ في موطن كما نصر يوم أحد فأنكرنا ذلك عليه. فقال : ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أحد :﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ وإنما في بهذا الرماة، وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع، ثم قال : احموا ظهورنا، وان رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، فلما غنم النبي ﷺ، وأباحوا عسكر المشركين انتفضت الرماة جميعا، فدخلوا العسكر ينتهبون، وقد انتفضت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ، فهم كذى، وشبك أصابع يديه والتبسوا، فلما أخلى الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي ﷺ، فضرب بعضهم بعضا التبسوا، وقتل من المشركين ناس كثير، وقد كان لرسول الله ﷺ أول النهار، حتى قتل المشركين أصحاب لواء المشركين تسعة أو سبعة، وجال المشركون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس : الغر إنما كانوا تحت المهراس، وصاح الشيطان : قتل محمد، فلم يشكوا به أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قد قتل حتى طلع رسول الله ﷺ بين السعدين نعرفه بكتفيه إذا مشى قال : ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا، فرقى نحونا وهو يقول : اشتد غضب الله على قوم رموا وجه رسول الله، ويقول مرة أخرى : اللهم أنه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا، مكث ساعة، فإذا أبو سفيان : في أسفل الجبل : اعل هبل. . اعل هبل يعني إلهه - أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر : ألا أجيبه يا رسول الله ؟ قال : فلما قال : اعل هبل. قال عمر : الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان يا ابن الخطاب أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن أبي الخطاب ؟ فقال عمر : هذا رسول الله ﷺ، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا. فقال أبو سفيان : يوم بيوم بدر، الأيام دول، والحرب سجال. قال عمر : لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، قال : إنكم تزعمون ذاك لقد خبنا إذا وخسرنا، ثم قال : أما إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا، ثم أدركته حمية الجاهلية قال : أما أنه إذا كان ذلك لم نكرهه.
حدثنا محمد بن العباس، ثنا محمد بن عمرو زنيج، نثا سلمة قال : قال محمد ابن إسحاق :﴿وعصيتم﴾ أي تركتم أمر نبيكم وما عهد إليكم يعني : الرماة.
قوله تعالى :﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾.
أخبرنا محمد بن سعد العوفي فيما كتب إليّ، حدثني أبي، ثنا عمي الحسين، عن أبيه عن جده عن ابن عباس قوله :﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة.
حدثنا حجاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله :﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ نصر الله المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنبي ﷺ، حين حرضهم رسول الله ﷺ على بغلته الشهباء. وقال : رب اكفنيهم بما شئت.
حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، ثنا أحمد بن المفضل، ثنا أسباط عن السدي قوله :﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ من الفتح.
قوله تعالى :﴿منكم من يريد الدنيا﴾.
حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي ومحمد بن مسلم، ثنا أحمد بن المفضل، ثنا أسباط بن نصر عن السدي عن عبد خير قال : قال عبد الله بن مسعود : ما كنت أظن في أصحاب النبي ﷺ يومئذ أحدا يريد الدنيا حتى قال الله تعالى ما قال وفي حديث ابن مسلم : ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أحد :﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾.
أخبرنا محمد بن سعد العوفي فيما كتب إليّ، حدثني أبي، ثنا عمي الحسين، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما هزم القوم هو وأصحابه الذين آمنوا، رآه الذين كانوا جعلوا من ورائهم الغنائم قالوا : انطلقوا إلى رسول الله ﷺ فأدركوا الغنيمة قبل أن يسبقوا إليها، فذلك قوله :﴿منكم من يريد الدنيا﴾.
حدثنا محمد بن العباس، ثنا محمد بن عمرو، ثنا سلمة قال : قال محمد ابن إسحاق :﴿منكم من يريد الدنيا﴾ أي الذين أرادوا النهب رغبة في الدنيا وترك ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة.
قوله تعالى :﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾.
أخبرنا محمد بن سعد العوفي فيما كتب إليّ، ثنا أبي، ثنا عمي الحسين عن أبيه، عن جده عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما هزم القوم هو وأصحابه الذين آمنوا رآه الذين كانوا جعلوا من ورائهم فقال بعضهم لبعض : انطلقوا إلى رسول الله فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها، فقالت طائفة أخرى : بل نطيع رسول الله ﷺ فنثبت مكاننا، فذلك قوله لهم :﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾ للذين قالوا : نطيع رسول الله ﷺ ونثبت مكاننا.
حدثنا محمد بن العباس، ثنا محمد بن عمرو، ثنا سلمة قال : محمد بن إسحاق :﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾ أي الذين جاهدوا في الله، ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لغرض من الدنيا، رغبة منهم في العرض، رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة.
قوله تعالى :﴿ثم صرفكم عنهم﴾.
حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، ثنا أحمد بن المفضل، ثنا أسباط، عن السدي قال : ثم ذكر حين مال عليهم خالد قال :﴿ثم صرفكم عنهم﴾.
قوله تعالى :﴿ليبتليكم﴾.
حدثنا محمد بن العباس مولى بني هاشم، ثنا محمد بن عمرو، ثنا سلمة قال : قال محمد بن إسحاق :﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ أي صرفكم عنهم ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم.
قوله تعالى :﴿ولقد عفا عنكم﴾.
حدثنا أبي، ثنا المسيب بن واضح قال : سألت الحجاج بن محمد عن قوله :﴿ولقد عفا عنكم﴾ قلت كيف عفا عنهم وقد جرح رسول الله ﷺ في وجهه، وقتل عمه صاحب لوائه، وانكشف أصحابه ؟ قال : قال الحسن : عفا عنهم حين لم يستأصلهم.
حدثنا محمد بن العباس، ثنا محمد بن عمرو زنيج، ثنا سلمة قال : قال محمد بن إسحاق :﴿ولقد عفا عنكم﴾ قال : لقد عفا الله عن عظم ذلك إلا يهلككم بما أتيتم به من معصية نبيكم، ولكني عدت بفضلي عليكم.
قوله تعالى :﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾.
وبه قال محمد بن إسحاق :﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾ أي : لقد وفيت لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى