الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿صَدَقَكُمُ﴾ :" صَدَقَ " يتعدَّى لاثنين، أحدهما بنفسِه والآخرُ بالحرفِ، وقد يُحْذَفُ كهذهِ الآيةِ، والتقدير : صَدَقَكم في وعدِه كقولهم :" صدقتُه الحديث "، و " في الحديث ". و " إذ تَحُسُّونهم " معمولٌ ل " صَدَقَكم " أي : صَدَقَكم في ذلك الوقت، وهو وقتُ حَسِّهم أي قَتْلِهم. وأجاز أبو البقاء أن يكون معمولاً للوعد في قوله :" وعدَه "، وفيه نظرٌ لأنَّ الوعدَ متقدم على هذا الوقت. يقال :" حَسَسْتُه أَحُسُّه " أي : قتلتُه. وقرأ أبو عبيد :" تُحِسُّونهم " رباعياً أي : أذهبتم حِسَّهم بالقتل. و " بإذنه " متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه حال من فاعل " تُحِسُّونهم " أي : تقتلونهم مأذوناً لكم في ذلك/.
قوله :﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ في " حتى " هذه قولان، أحدهما : أنها حرف جر بمعنى " إلى " وفي متعلَّقها حينئذ ثلاثة أوجه : أحدها : أنها متعلقةٌ ب " تَحُسُّونهم " أي : تقتلونهم إلى هذا الوقت. والثاني : أنها متعلقةٌ ب " صدقكم "، وهو ظاهرُ قول الزمخشري قال :" ويجوز أن يكونَ المعنى : صَدَقَكم اللهُ وعدَه إلى وقت فشلكم ". والثالث : أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ دَلَّ عليه السياق، قال أبو البقاء :" تقديره : دامَ لكم ذلك إلى وقتِ فشلكم ".
القول الثاني : أنها حرفُ ابتداءٍ داخلةٌ على الجملة الشرطية، و " إذا " على بابها من كونها شرطية، وفي جوابها حينئذ ثلاثة أوجه، أحدها : أنه " وتنازعتم " قال الفراء :" وتكونُ الواوُ زائدةً ". والثاني : أنه " ثُمَّ صَرَفَكُم " و " ثُمَّ " زائدةٌ، وهذا القولان ضعيفان جداً. والثالث وهو الصحيح : أنه محذوفٌ، واختلفت عبارتهم في تقديره، فقدَّره ابن عطية :" انهزمتم "، وقَدَّره الزمخشري :" مَنَعَكم نَصْرَه "، وقَدَّره أبو البقاء :" بان لكم أمرُكم "، ودل على ذلك قوله :﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾، وقَدَّره غيره :" امتُحِنْتُم "، وقَدَّره الشيخ :" انقسمتم إلى قسمين، وَيَدُلُّ عليه ما بعده، وهو نظير :﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢]. قال الشيخ :" لا يُقال كيف يقال : انقسمتم إلى مريدِ الدنيا وإلى مريد الآخرة فيمَنْ فَشِل وتنازع وعصى ؛ لأنَّ هذه : الأفعالَ لم تصدُرْ من كلِّهم بل من بعضِهم ".
واختلفوا في " إذا " هذه، هل هي على بابها أم بمعنى " إذ " ؟ والصحيح الأول سواءً قلنا إنها شرطيةً أم لا.
قوله :﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾ عطفٌ على ما قبله، والجملتان من قوله :﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ اعتراضٌ بين المتعاطفين. وقال أبو البقاء :" ثم صرفكم " معطوفٌ على الفعل المحذوف " يعني الذي قَدَّره جواباً للشرط، ولا حاجة إليه. " وليبتليَكم " متعلِّقٌ ب " صرفكم " و " أََنْ " مضمرةٌ بعد اللام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى