الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي
عن الكتاب
أخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال : كان الله وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وكان قد فعل، فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم، وتركت الرماة عهد الرسول إليهم أن لا يبرحوا منازلهم وأرادوا الدنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، وأنزل الله ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ فصدق الله وعده وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿ولقد صدقكم الله وعده. . .﴾ الآية. قال " إن أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خلون من شوال حتى نزل أحدا، وخرج رسول الله ﷺ فأذن في الناس، فاجتمعوا وأمر على الخيل الزبير بن العوام، ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي، وأعطى رسول الله ﷺ اللواء رجلا من قريش يقال له مصعب بن عمير، وخرج حمزة بن عبد المطلب بالجيش، وبعث حمزة بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله ﷺ الزبير وقال : استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك، وأمر بخيل أخرى فكانوا من جانب آخر فقال : لا تبرحوا حتى أوذنكم، وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى، فأرسل النبي ﷺ إلى الزبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد فهزمه ومن معه فقال ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾.
وأن الله وعد المؤمنين أن ينصرهم وأنه معهم، وأن رسول الله ﷺ بعث بعضا من الناس فكانوا من ورائهم فقال رسول الله ﷺ : كونوا ههنا، فردوا وجه من ند منا، وكونوا حرسا لنا من قبل ظهورنا. وأن رسول الله ﷺ لما هزم القوم هو وأصحابه الذين كانوا، جعلوا من ورائهم فقال بعضهم لبعض لما رأوا النساء مصعدات في الجبل، ورأوا الغنائم : انطلقوا إلى رسول الله ﷺ فأدركوا الغنيمة قبل أن تستبقوا إليها وقالت طائفة أخرى : بل نطيع رسول الله ﷺ، فنثبت مكاننا. فذلك قوله ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ للذين أرادوا الغنيمة ﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾ للذين قالوا : نطيع رسول الله ﷺ، ونثبت مكاننا. فأتوا محمدا ﷺ، فكان فشلا حين تنازعوا بينهم يقول ﴿وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة ".
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قال " ما نصر الله نبيه في موطن كما نصر يوم أحد فانكروا ". فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أحد ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ يقول ابن عباس :" و الحس " : القتل.
﴿حتى إذا فشلتم﴾ إلى قوله ﴿ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ وإنما عنى هذا الرماة، وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع ثم قال : احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا. فلما غنم النبي ﷺ، وأباحوا عسكر المشركين انكفأت الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينتهبون، والتفت صفوف المسلمين فهم هكذا - وشبك بين يديه - والتبسوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخل الخيل من ذلك الموضع على الصحابة، فضرب بعضهم بعضا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير وقد كان لرسول الله ﷺ وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس : الغاب. إنما كانوا تحت المهراس، وصاح الشيطان قتل محمد فلم يشك فيه أنه حق.
فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل حتى طلع بين السعدين نعرفه بتكفؤه إذا مشى، ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا فرقي نحونا وهو يقول : اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم، ويقول مرة أخرى : اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا، فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل : أعل هبل أعل هبل. أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر : ألا أجيبه يا رسول الله ؟ قل : بلى. فلما قال : أعل هبل. قال عمر : الله أعلى وأجل. فعاد فقال : أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ فقال عمر : هذا رسول الله، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر. فقال : يوم بيوم بدر، الأيام دول والحرب سجال فقال عمر : لا سواء. . . قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار قال : إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذن وخسرنا. ثم أدركته حمية الجاهلية فقال : أما إنه كان ذلك ولم نكرهه ".
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر عن ابن مسعود قال " إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ فلما خالف أصحاب النبي ﷺ وعصوا ما أمروا به، أفرد رسول الله ﷺ في تسعة. سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش. وهو عاشر، فلما رهقوه قال : رحم الله رجلا ردهم عنا، فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه أيضا قال : رحم الله رجلا ردهم عنا، فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه : ما أنصفنا أصحابنا.
فجاء أبو سفيان فقال : أعل هبل فقال رسول الله ﷺ : قولوا الله أعلى وأجل. فقالوا : الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله ﷺ : قولوا اللهم مولانا والكافرون لا مولى لهم. ثم قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر، يوم لنا ويوم علينا، ويوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة وفلان بفلان. فقال رسول الله ﷺ : لا سواء. أما قتلانا فأحياء يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون. قال أبو سفيان : قد كان في القوم مثلة وإن كانت على غير توجيه منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني. قال : فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها. فقال رسول الله ﷺ : أكلت شيئا ؟ قالوا : لا. قال : ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة النار. فوضع رسول الله ﷺ حمزة فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة، ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعون صلاة ".
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن البراء بن عازب قال " جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جبير ووضعهم موضعا وقال : إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، فهزموهم قال : فأنا - والله - رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن. فقال أصحاب عبد الله : الغنيمة أي قوم الغنيمة. . . ظهر أصحابكم فما تنتظرون ؟ قال عبد الله بن جبير : أفنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ فقالوا : إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله ﷺ غير اثني عشر رجلا. فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة. سبعين أسيرا، وسبعين قتيلا.
قال أبو سفيان : أفي القوم محمد ثلاثا ؟ فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه ثم قال : أفي القوم ابن أبي قحافة مرتين ؟ أفي القوم ابن الخطاب مرتين ؟ ثم أقبل على أصحابه فقال : أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم. فما ملك عمر نفسه أن قال : كذبت - والله - يا عدو الله، إن الذين عددت أحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك. قال : يوم بيوم بدر والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز : أعل هبل فقال رسول الله ﷺ : ألا تجيبونه ؟ قالوا : يا رسول الله ما نقول ؟ قال قولوا : الله أعلى وأجل. قال : إن لنا العزى ولا عزى لكم. قال رسول الله ﷺ : ألا تجيبونه ؟ قالوا : يا رسول الله وما نقول ؟ قال : قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم ".
وأخرج البيهقي في الدلائل عن جابر قال " انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون فقال : ألا أحد لهؤلاء ؟ فقال طلحة : أنا يا رسول الله فقال : كما أنت يا طلحة فقال رجل من الأنصار : فأنا يا رسول الله فقاتل عنه وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه فقال : ألا رجل لهؤلاء ؟ فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله ﷺ مثل قوله، فقال رجل من الأنصار : فأنا يا رسول الله وأصحابه يصعدون، ثم قتل. فلحقوه فلم يزل يقول مثل قوله الأول، ويقول طلحة أنا يا رسول الله فيحبسه، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة، فغشوهما فقال رسول الله ﷺ : من لهؤلاء ؟ فقال طلحة : أنا. فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله فقال : حس. فقال : لو قلت بسم الله، أو ذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك في جو السماء، ثم صعد رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون ".
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الرحمن بن عوف في قوله ﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾ قال :﴿الحس﴾ القتل.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس. مثله.
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس ﴿إذ تحسونهم﴾ قال : تقتلونهم.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ﴿إذ تحسونهم﴾ قال : تقتلونهم قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم. أما سمعت قول الشاعر :
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قول الله ﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾ قال : تقتلونهم قال : وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمد ﷺ ؟ قال : نعم. أما سمعت قول عتبة الليثي :
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿حتى إذا فشلتم﴾ قال : الفشل الجبن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع ﴿حتى إذا فشلتم﴾ يقول : جبنتم عن عدوكم ﴿وتنازعتم في الأمر﴾ يقول : اختلفتم وعصيتم ﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ وذلك يوم أحد قال لهم : إنكم ستظهرون فلا أعرفن ما أصبتم من غنائمهم شيئا حتى تفرغوا. فتركوا أمر النبي ﷺ وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهده الذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به فنصر عليهم عدوهم من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن عبد الرحمن ب
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿ولقد صدقكم الله وعده. . .﴾ الآية. قال " إن أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خلون من شوال حتى نزل أحدا، وخرج رسول الله ﷺ فأذن في الناس، فاجتمعوا وأمر على الخيل الزبير بن العوام، ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي، وأعطى رسول الله ﷺ اللواء رجلا من قريش يقال له مصعب بن عمير، وخرج حمزة بن عبد المطلب بالجيش، وبعث حمزة بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله ﷺ الزبير وقال : استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك، وأمر بخيل أخرى فكانوا من جانب آخر فقال : لا تبرحوا حتى أوذنكم، وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى، فأرسل النبي ﷺ إلى الزبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد فهزمه ومن معه فقال ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾.
وأن الله وعد المؤمنين أن ينصرهم وأنه معهم، وأن رسول الله ﷺ بعث بعضا من الناس فكانوا من ورائهم فقال رسول الله ﷺ : كونوا ههنا، فردوا وجه من ند منا، وكونوا حرسا لنا من قبل ظهورنا. وأن رسول الله ﷺ لما هزم القوم هو وأصحابه الذين كانوا، جعلوا من ورائهم فقال بعضهم لبعض لما رأوا النساء مصعدات في الجبل، ورأوا الغنائم : انطلقوا إلى رسول الله ﷺ فأدركوا الغنيمة قبل أن تستبقوا إليها وقالت طائفة أخرى : بل نطيع رسول الله ﷺ، فنثبت مكاننا. فذلك قوله ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ للذين أرادوا الغنيمة ﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾ للذين قالوا : نطيع رسول الله ﷺ، ونثبت مكاننا. فأتوا محمدا ﷺ، فكان فشلا حين تنازعوا بينهم يقول ﴿وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة ".
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قال " ما نصر الله نبيه في موطن كما نصر يوم أحد فانكروا ". فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أحد ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ يقول ابن عباس :" و الحس " : القتل.
﴿حتى إذا فشلتم﴾ إلى قوله ﴿ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ وإنما عنى هذا الرماة، وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع ثم قال : احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا. فلما غنم النبي ﷺ، وأباحوا عسكر المشركين انكفأت الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينتهبون، والتفت صفوف المسلمين فهم هكذا - وشبك بين يديه - والتبسوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخل الخيل من ذلك الموضع على الصحابة، فضرب بعضهم بعضا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير وقد كان لرسول الله ﷺ وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس : الغاب. إنما كانوا تحت المهراس، وصاح الشيطان قتل محمد فلم يشك فيه أنه حق.
فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل حتى طلع بين السعدين نعرفه بتكفؤه إذا مشى، ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا فرقي نحونا وهو يقول : اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم، ويقول مرة أخرى : اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا، فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل : أعل هبل أعل هبل. أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر : ألا أجيبه يا رسول الله ؟ قل : بلى. فلما قال : أعل هبل. قال عمر : الله أعلى وأجل. فعاد فقال : أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ فقال عمر : هذا رسول الله، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر. فقال : يوم بيوم بدر، الأيام دول والحرب سجال فقال عمر : لا سواء. . . قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار قال : إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذن وخسرنا. ثم أدركته حمية الجاهلية فقال : أما إنه كان ذلك ولم نكرهه ".
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر عن ابن مسعود قال " إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ فلما خالف أصحاب النبي ﷺ وعصوا ما أمروا به، أفرد رسول الله ﷺ في تسعة. سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش. وهو عاشر، فلما رهقوه قال : رحم الله رجلا ردهم عنا، فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه أيضا قال : رحم الله رجلا ردهم عنا، فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه : ما أنصفنا أصحابنا.
فجاء أبو سفيان فقال : أعل هبل فقال رسول الله ﷺ : قولوا الله أعلى وأجل. فقالوا : الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله ﷺ : قولوا اللهم مولانا والكافرون لا مولى لهم. ثم قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر، يوم لنا ويوم علينا، ويوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة وفلان بفلان. فقال رسول الله ﷺ : لا سواء. أما قتلانا فأحياء يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون. قال أبو سفيان : قد كان في القوم مثلة وإن كانت على غير توجيه منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني. قال : فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها. فقال رسول الله ﷺ : أكلت شيئا ؟ قالوا : لا. قال : ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة النار. فوضع رسول الله ﷺ حمزة فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة، ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعون صلاة ".
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن البراء بن عازب قال " جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جبير ووضعهم موضعا وقال : إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، فهزموهم قال : فأنا - والله - رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن. فقال أصحاب عبد الله : الغنيمة أي قوم الغنيمة. . . ظهر أصحابكم فما تنتظرون ؟ قال عبد الله بن جبير : أفنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ فقالوا : إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله ﷺ غير اثني عشر رجلا. فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة. سبعين أسيرا، وسبعين قتيلا.
قال أبو سفيان : أفي القوم محمد ثلاثا ؟ فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه ثم قال : أفي القوم ابن أبي قحافة مرتين ؟ أفي القوم ابن الخطاب مرتين ؟ ثم أقبل على أصحابه فقال : أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم. فما ملك عمر نفسه أن قال : كذبت - والله - يا عدو الله، إن الذين عددت أحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك. قال : يوم بيوم بدر والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز : أعل هبل فقال رسول الله ﷺ : ألا تجيبونه ؟ قالوا : يا رسول الله ما نقول ؟ قال قولوا : الله أعلى وأجل. قال : إن لنا العزى ولا عزى لكم. قال رسول الله ﷺ : ألا تجيبونه ؟ قالوا : يا رسول الله وما نقول ؟ قال : قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم ".
وأخرج البيهقي في الدلائل عن جابر قال " انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون فقال : ألا أحد لهؤلاء ؟ فقال طلحة : أنا يا رسول الله فقال : كما أنت يا طلحة فقال رجل من الأنصار : فأنا يا رسول الله فقاتل عنه وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه فقال : ألا رجل لهؤلاء ؟ فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله ﷺ مثل قوله، فقال رجل من الأنصار : فأنا يا رسول الله وأصحابه يصعدون، ثم قتل. فلحقوه فلم يزل يقول مثل قوله الأول، ويقول طلحة أنا يا رسول الله فيحبسه، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة، فغشوهما فقال رسول الله ﷺ : من لهؤلاء ؟ فقال طلحة : أنا. فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله فقال : حس. فقال : لو قلت بسم الله، أو ذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك في جو السماء، ثم صعد رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون ".
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الرحمن بن عوف في قوله ﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾ قال :﴿الحس﴾ القتل.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس. مثله.
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس ﴿إذ تحسونهم﴾ قال : تقتلونهم.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ﴿إذ تحسونهم﴾ قال : تقتلونهم قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم. أما سمعت قول الشاعر :
| ومنا الذي لاقى بسيف محمد | فحس به الأعداء عرض العساكر |
| نحسهم بالبيض حتى كأننا | نفلق منهم بالجماجم حنظلا |
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن عبد الرحمن ب