الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ﴾ وعدهم الله النصر بشرط الصبر والتقوى في قوله تعالى :﴿إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٥] ويجوز أن يكون الوعد قوله تعالى :﴿سَنُلْقِى في قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب﴾ فلما فشلوا وتنازعوا لم يرعبهم. وقيل : لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت. وذلك أنّ رسول الله ﷺ جعل أحداً خلف ظهره، واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل، وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم، والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم. يحسونهم أي يقتلونهم قتلا ذريعاً. حتى إذا فشلوا. والفشل : الجبن وضعف الرأي. وتنازعوا، فقال بعضهم : قد انهزم المشركون فما موقفنا ههنا وقال بعضهم : لا نخالف أمر رسول الله ﷺ، فممن ثبت مكانه عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله :﴿وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة﴾ ونفر أعقابهم ينهبون، وهم الذين أرادوا الدنيا، فكرّ المشركون على الرماة، وقتلوا عبد الله بن جبير رضي الله عنه، وأقبلوا على المسلمين، وحالت الريح دبوراً وكانت صباً، حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا، وهو قوله :﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم على الإيمان عندها ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ لما علم من ندمكم على ما فرط منكم من عصيان أمر رسول الله ﷺ ﴿والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين﴾ يتفضل عليهم بالعفو، أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم ؛ لأنّ الابتلاء رحمة كما أنّ النصرة رحمة.
فإن قلت : أين متعلق ﴿حتى إِذَا﴾ قلت : محذوف تقديره : حتى إذا فشلتم منعكم نصره. ويجوز أن يكون المعنى : صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى