جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
يعني تعالى ذكره : وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم، والذين في موضع خفض مردود على المؤمنين، وهذه الصفة من صفة الذين استجابوا لله والرسول والناس الأول هم قوم فيما ذكر لنا، كان أبو سفيان سألهم أن يثبطوا رسول الله ﷺ وأصحابه الذين خرجوا في طلبه بعد منصرفه عن أُحد إلى حمراء الأسد¹ والناس الثاني : هم أبو سفيان وأصحابه من قريش الذين كانوا معه بأُحد، يعني بقوله :﴿قَدْ جَمعُوا لَكُمْ﴾ : قد جمعوا الرجال للقائكم، والكرّة إليكم لحربكم ﴿فاخْشَوْهُمْ﴾ يقول : فاحذروهم، واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، ﴿فَزادهُمْ إيمَانا﴾ يقول : فزادهم ذلك من تخويف من خوّفهم أمر أبي سفيان وأصحابه من المشركين يقينا إلى يقينهم، وتصديقا لله ولوعده ووعد رسوله إلى تصديقهم، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله ﷺ بالسير فيه، ولكن ساروا حتى بلغوا رضوان الله منه، وقالوا ثقة بالله، وتوكلاً عليه، إذ خوفهم من خوفهم أبا سفيان وأصحابه من المشركين ﴿حَسْبُنا اللّهُ ونِعْم الوكِيل﴾ يعني بقوله : حسبنا الله : كفانا الله، يعني : يكفينا الله¹ ونعم الوكيل، يقول : ونعم المولى لمن وليه وكفله¹ وإنما وصف تعالى نفسه بذلك لأن الوكيل في كلام العرب : هو المسند إليه القيام بأمر من أسند إليه القيام بأمره¹ فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآيات قد كانوا فوّضوا أمرهم إلى الله، ووثقوا به، وأسندوا ذلك إليه وصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة، فقال : ونعم الوكيل الله تعالى لهم.
واختلف أهل التأويل في الوقت الذي قال من قال لأصحاب رسول الله ﷺ :﴿إنّ النّاس قَدْ جَمعُوا لَكُمْ﴾ فقال بعضهم : قيل ذلك لهم في وجههم الذي خرجوا فيه مع رسول الله ﷺ من أُحد إلى حمراء الأسد في طلب أبي سفيان ومن معه من المشركين.
ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله قيل ذلك، ومَن قائله :
حدثنا محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال : مرّ به، يعني برسول الله ﷺ معبد الخزاعي بحمراء الأسد، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عَيْبَةَ نُصْحٍ لرسول الله ﷺ بتهامة صفقتهم معه، لا يخفون عليه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال : والله يا محمد، أما والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم ! ثم خرج من عند رسول الله ﷺ من حمراء الأسد، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا : أصبنا في أُحد أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم ! لنكرنّ على بقيتهم فلنفرغنّ منهم. فلما رأى أبا سفيان معبدا، قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرّقون عليكم تحرّقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فهم من الحنق عليكم بشيء لم أر مثله قط. قال : ويلك ما تقول ؟ قال : والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال : فوالله لقد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال : فإني أنهاك عن ذلك ! فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر، قال : وما قلت ؟ قال : قلت :
| كادَتْ تُهَدّ مِنَ الأصْوَات رَاحِلَتِي | إذْ سالَتِ الأرْضُ بالجُرْدِ الأبابيل |
| تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لا تَناِبَلةٍ | عِنْدَ اللّقاءِ وَلا مِيلٍ مَعازِيلِ |
| فَظَلْتُ عَدْوا أظُنّ الأرْضَ مائِلَةً | لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ |
| فَقُلْتُ وَيْلُ ابنِ حَرْبٍ منْ لِقائِكُمُ | إذَا تَغَطْمَطَتِ البَطْحاءُ بالجِيلِ |
| إني نَذِيرٌ لأهْلِ البَسْلِ ضَاحِيَةً | لكُلّ ذِي إرْبَةٍ مِنْهُمْ وَمَعْقُولِ |
| مِنْ جَيْشِ أحمَدَ لا وَخْشٍ تَنابِلَةٍ | وَلَيْسَ يُوصَفُ ما أنْذَرْتُ بالقِيلِ |
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : فقال الله :﴿الّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنّ النّاسَ قَدْ جَمعُوا لَكُمْ فاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانا وَقالُوا حَسْبُنا اللّهَ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾. والناس الذين قال لهم ما قالوا : النفر من عبد القيس، الذين قال لهم أبو سفيان ما قال، إن أبا سفيان ومن معه راجعون إليكم، يقول الله تبارك وتعالى :﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. . . الآية.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : لما ندموا يعني : أبا سفيان وأصحابه على الرجوع عن رسول الله ﷺ وأصحابه وقالوا : ارجعوا فاستأصلوهم ! فقذف الله في قلوبهم الرعب، فهزموا، فلقوا أعرابيا، فجعلوا له جعلاً : إن لقيت محمدا وأصحابه، فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم. فأخبر الله جلّ ثناؤه رسول الله ﷺ، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا الأعرابي في الطريق، فأخبرهم الخبر، فقالوا :«حَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ » ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله تعالى فيهم وفي الأعرابي الذي لقيهم :﴿الّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخُشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانا وَقالُوا حَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال : استقبل أبو سفيان في منصرفه من أُحد عيرا واردة المدينة ببضاعة لهم وبينهم وبين النبيّ ﷺ حبال، فقال : إن لكم عليّ رضاكم إن أنتم رددتم عني محمدا ومن معه إن أنتم وجدتموه في طلبي وأخبرتموه أني قد جمعت له جموعا كثيرة ! فاستقبلت العيرَ رسول الله ﷺ، قالوا له : يا محمد إنا نخبرك أن أبا سفيان قد جمع لك جموعا كثيرة، وأنه مقبل إلى المدينة، وإن شئت أن ترجع فافعل. ولم يزده ذلك ومن معه إلا يقينا، ﴿وَقالُوا حَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الوَكِيل﴾، فأنزل الله تبارك وتعالى :﴿الّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. . . الاَية.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : انطلق رسول الله ﷺ وعصابة من أصحابه بعدما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أُحد خلفهم، حتى كانوا بذي الحليفة، فجعل الأعراب والناس يأتون عليهم، فيقولون لهم : هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس، فقالوا :﴿حَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾، فأنزل الله تعالى فيهم :﴿الّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخُشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانا وَقالُوا حَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾.
وقال آخرون : بل قال ذلك لرسول الله ﷺ وأصحابه من قال ذلك له في غزوة بدر الصغرى وذلك في مسير النبيّ ﷺ عام قابل من وقعة أُحد للقاء عدوّه أبي سفيان وأصحابه للموعد الذي كان واعده الالتقاء بها. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿الّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ قال : هذا أبو سفيان، قال لمحمد : موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا ! فقال محمد ﷺ :«عَسَى ! » فانطلق رسول الله ﷺ لموعده حتى نزل بدرا، فوافقوا السوق فيها، وابتاعوا¹ فذلك قوله تبارك وتعالى :﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ وهي غزوة بدر الصغرى.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه، وزاد فيه : وهي بدر الصغرى. قال ابن جريح : لما عمد النبيّ ﷺ لموعد أبي سفيان، فجعلوا يلقون المشركين، ويسألونهم عن قريش، فيقولون :﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرعبوهم، فيقول المؤمنون :﴿حَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الَوكِيلُ﴾ حتى قدموا بدرا، فوجدوا أسواقها عافية لم ينازعهم فيها أحد. قال : وقدم رجل من المشركين وأخبر أهل مكة بخيل محمد عليه الصلاة والسلام وقال في ذلك :
| نَفَرَتْ قَلُوصِي عَنْ خُيولِ مُحَمّدِ | وَعَجْوَةٍ مَنْثُورَةٍ كالعُنْجُدِ |
قال أبو جعفر : هكذا أنشدنا القاسم، وهو خطأ، وإنما هو :
| قَدْ نَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتيْ مُحَمّدِ | وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثرِبٍ كالعُنْجُدِ |
| تَهْوِى على دِينِ أبيها الأتْلَدِ | قدْ جَعَلَتْ ماءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي |
حدثني الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال : كانت بدر متجرا في الجاهلية، فخرج ناس من المسلمين يريدون، ولقيهم ناس من المشركين فقالوا لهم :﴿إنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخْشَوْهُمْ﴾، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ الأهبة للقتال وأهبة التجارة، ﴿وَقالُوا حَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾، فأتوهم فلم يلقوا أحدا، فأنزل الله عزّ وجلّ فيهم :﴿إنّ النّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخْشَوْهُمْ﴾. قال ابن يحيى، قال عبد الرزاق، قال ابن عيينة : وأخبرني زكريا عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو قال : هي كلمة إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، فقال :﴿حَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الَوكِيلُ﴾.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : إن الذي قيل لرسول الله ﷺ وأصحابه من أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، كان في حال خروج رسول الله ﷺ، وخروج من خرج معه في أثر أبي سفيان، ومن كان معه من مشركي قريش منصرفهم عن أُحد إلى حمراء الأسد¹ لأن الله تعالى ذكره إنما مدح الذين وصفهم بقيلهم :{ حَسْبُنا ال