البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ لما تضمن ما تقدم أن ذلك التقلب والتصرف في البلاد هو متاع قليل، وإنهم يأوون بعد إلى جهنم، فدل على قلّة ما متعوا به، لأنّ ذلك منقض بانقضاء حياتهم، ودلّ على استقرارهم في النار.
استدرك بلكن الأخبار عن المتقين بمقابل ما أخبر به عن الكافرين، وذلك شيئان : أحدهما مكان استقرار وهي الجنات، والثاني ذكر الخلود فيها وهو الإقامة دائماً والتمتع بنعيمها سرمداً.
فقابل جهنم بالجنات، وقابل قلة متاعهم بالخلود الذي هو الديمومة في النعيم، فوقعت لكن هنا أحسن موقع، لأنه آل معنى الجملتين إلى تكذيب الكفار وإلى تنعيم المتقين، فهي واقعة بين الضدين.
وقرأ الجمهور : لكنْ خفيفة النون.
وقرأ أبو جعفر : بالتشديد، ولم يظهر لها عمل، لأن اسمها مبني.
﴿نزلاً من عند الله﴾ النزل ما يعد للنازل من الضيافة والقرى.
ويجوز تسكين رايه، وبه قرأ : الحسن، والنخعي، ومسلمة بن محارب، والأعمش.
وقال الشاعر :
قال ابن عباس : النزل الثواب، وهي كقوله :﴿ثواباً من عند الله﴾ وقال ابن فارس : النزل ما يهيأ للنزيل، والنزيل الضيف.
وقيل : النزل الرزق وما يتغذى به.
ومنه :﴿فنزل من حميم﴾ أي فغذاؤه.
ويقال : أقمت للقوم نزلهم أي ما يصلح أن ينزل عليه من الغذاء، وجمعه أنزال.
وقال الهروي : الأنزال التي سويت، ونزل عليها.
ومعنى من عند الله : أي لا من عند غيره، وسماه نزلاً لأنه ارتفع عنهم تكاليف السعي والكسب، فهو شيء مهيأ يهيأ لهم لا تعب عليهم في تحصيله هناك، ولا مشقة.
كالطعام المهيأ للضيف لم يتعب في تحصيله، ولا في تسويته ومعالجته.
وانتصاب نزلاً قالوا : إما على الحال من جنات لتخصصها بالوصف، والعامل فيها العامل في لهم.
وإما بإضمار فعل أي : جعلها نزلاً.
وإمّا على المصدر المؤكد فقدره ابن عطية : تكرمة، وقدره الزمخشري : رزقاً أو عطاء.
وقال الفرّاء : انتصب على التفسير كما تقول : هو لك هبة وصدقة انتهى.
وهذا القول راجع إلى الحال.
﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ ظاهره حوالة الصلة على ما تقدم من قوله : نزلاً من عند الله.
والمعنى : أن الذي أعده الله للأبرار في الآخرة خير لهم، فيحتمل أن يكون المفضل عليه بالنسبة للأبرار أي خير لهم مما هم فيه في الدنيا، وإليه ذهب : ابن مسعود.
وجاء « لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها » ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى الكفار، أي : خير لهم مما يتقلب فيه الكفار من المتاع الزائل.
وقيل : خير هنا ليست للتفضيل، كما أنها في قوله تعالى :﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً﴾ والأظهر ما قدمناه.
وللأبرار متعلق بخير، والأبرار هم المتقون الذين أخبر عنهم بأن لهم جنات.
وقيل : فيه تقديم وتأخير.
أي الذي عند الله للأبرار خير لهم، وهذا ذهول عن قاعدة العربية من أن المجرور إذ ذاك يتعلق بما تعلق به الظرف الواقع صلة للموصول، فيكون المجرور داخلاً في حيز الصلة، ولا يخبر عن الموصول إلا بعد استيفائه صلته ومتعلقاتها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والبديع :
الاستعارة : عبر بأخذ الميثاق عن التزامهم أحكام ما أنزل عليهم من التوراة والإنجيل، وبالنبذ وراء ظهورهم عن ترك عملهم بمقتضى تلك الأحكام، وباشتراء ثمن قليل عن ما تعوضوه من الحطام على كتم آيات الله، وبسماع المنادي إن كان القرآن عن ما تلقوه من الأمر والنهي والوعد والوعيد بالاستجابة عن قبول مسألتهم، وبانتفاء التضييع عن عدم مجازاته على يسير أعمالهم، وبالتقلب عن ضربهم في الأرض لطلب المكاسب، وبالمهاد عن المكان المستقر فيه، وبالنزل عما يعجل الله لهم في الجنة من الكرامة، وبالخشوع الذي هو تهدم المكان وتغير معالمه عن خضوعهم وتذللهم بين يديه، وبالسرعة التي هي حقيقة في المشي عن تعجيل كرامته.
قيل : ويحتمل أن يكون الحساب استعير للجزاء، كما استعير ﴿ولم أدر ما حسابيه﴾ لأن الكفار لا يقام لهم حساب كما قال تعالى :﴿فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ والطباق في : لتبيينه للناس ولا تكتمونه، وفي السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، فالسماء جهة العلو والأرض جهة السفل، والليل عبارة عن الظلمة والنهار عبارة عن النور، وفي : قياماً وقعوداً ومن : ذكر أو أنثى.
والتكرار : في لا تحسبن فلا تحسبنهم، وفي : ربنا في خمسة مواضع، وفي : فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا إن كان المعنى واحداً وفي : ما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وفي : ثواباً وحسن لثواب.
والاختصاص في : لأولي الألباب، وفي : وما للظالمين من أنصار، وفي : توفنا مع الأبرار، وفي : ولا تحزنا يوم القيامة، وفي : وما عند الله خير للأبرار.
والتجنيس المماثل في : أن آمنوا فآمنا، وفي : عمل عامل منكم.
والمغاير في : منادياً ينادي.
والإشارة في : ما خلقت هذا باطلاً، والحذف في مواضع.
استدرك بلكن الأخبار عن المتقين بمقابل ما أخبر به عن الكافرين، وذلك شيئان : أحدهما مكان استقرار وهي الجنات، والثاني ذكر الخلود فيها وهو الإقامة دائماً والتمتع بنعيمها سرمداً.
فقابل جهنم بالجنات، وقابل قلة متاعهم بالخلود الذي هو الديمومة في النعيم، فوقعت لكن هنا أحسن موقع، لأنه آل معنى الجملتين إلى تكذيب الكفار وإلى تنعيم المتقين، فهي واقعة بين الضدين.
وقرأ الجمهور : لكنْ خفيفة النون.
وقرأ أبو جعفر : بالتشديد، ولم يظهر لها عمل، لأن اسمها مبني.
﴿نزلاً من عند الله﴾ النزل ما يعد للنازل من الضيافة والقرى.
ويجوز تسكين رايه، وبه قرأ : الحسن، والنخعي، ومسلمة بن محارب، والأعمش.
وقال الشاعر :
| وكنا إذا الجبار بالجيش خافنا | جعلنا القنا والمرهفات له نزلا |
وقيل : النزل الرزق وما يتغذى به.
ومنه :﴿فنزل من حميم﴾ أي فغذاؤه.
ويقال : أقمت للقوم نزلهم أي ما يصلح أن ينزل عليه من الغذاء، وجمعه أنزال.
وقال الهروي : الأنزال التي سويت، ونزل عليها.
ومعنى من عند الله : أي لا من عند غيره، وسماه نزلاً لأنه ارتفع عنهم تكاليف السعي والكسب، فهو شيء مهيأ يهيأ لهم لا تعب عليهم في تحصيله هناك، ولا مشقة.
كالطعام المهيأ للضيف لم يتعب في تحصيله، ولا في تسويته ومعالجته.
وانتصاب نزلاً قالوا : إما على الحال من جنات لتخصصها بالوصف، والعامل فيها العامل في لهم.
وإما بإضمار فعل أي : جعلها نزلاً.
وإمّا على المصدر المؤكد فقدره ابن عطية : تكرمة، وقدره الزمخشري : رزقاً أو عطاء.
وقال الفرّاء : انتصب على التفسير كما تقول : هو لك هبة وصدقة انتهى.
وهذا القول راجع إلى الحال.
﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ ظاهره حوالة الصلة على ما تقدم من قوله : نزلاً من عند الله.
والمعنى : أن الذي أعده الله للأبرار في الآخرة خير لهم، فيحتمل أن يكون المفضل عليه بالنسبة للأبرار أي خير لهم مما هم فيه في الدنيا، وإليه ذهب : ابن مسعود.
وجاء « لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها » ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى الكفار، أي : خير لهم مما يتقلب فيه الكفار من المتاع الزائل.
وقيل : خير هنا ليست للتفضيل، كما أنها في قوله تعالى :﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً﴾ والأظهر ما قدمناه.
وللأبرار متعلق بخير، والأبرار هم المتقون الذين أخبر عنهم بأن لهم جنات.
وقيل : فيه تقديم وتأخير.
أي الذي عند الله للأبرار خير لهم، وهذا ذهول عن قاعدة العربية من أن المجرور إذ ذاك يتعلق بما تعلق به الظرف الواقع صلة للموصول، فيكون المجرور داخلاً في حيز الصلة، ولا يخبر عن الموصول إلا بعد استيفائه صلته ومتعلقاتها.
الاستعارة : عبر بأخذ الميثاق عن التزامهم أحكام ما أنزل عليهم من التوراة والإنجيل، وبالنبذ وراء ظهورهم عن ترك عملهم بمقتضى تلك الأحكام، وباشتراء ثمن قليل عن ما تعوضوه من الحطام على كتم آيات الله، وبسماع المنادي إن كان القرآن عن ما تلقوه من الأمر والنهي والوعد والوعيد بالاستجابة عن قبول مسألتهم، وبانتفاء التضييع عن عدم مجازاته على يسير أعمالهم، وبالتقلب عن ضربهم في الأرض لطلب المكاسب، وبالمهاد عن المكان المستقر فيه، وبالنزل عما يعجل الله لهم في الجنة من الكرامة، وبالخشوع الذي هو تهدم المكان وتغير معالمه عن خضوعهم وتذللهم بين يديه، وبالسرعة التي هي حقيقة في المشي عن تعجيل كرامته.
قيل : ويحتمل أن يكون الحساب استعير للجزاء، كما استعير ﴿ولم أدر ما حسابيه﴾ لأن الكفار لا يقام لهم حساب كما قال تعالى :﴿فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ والطباق في : لتبيينه للناس ولا تكتمونه، وفي السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، فالسماء جهة العلو والأرض جهة السفل، والليل عبارة عن الظلمة والنهار عبارة عن النور، وفي : قياماً وقعوداً ومن : ذكر أو أنثى.
والتكرار : في لا تحسبن فلا تحسبنهم، وفي : ربنا في خمسة مواضع، وفي : فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا إن كان المعنى واحداً وفي : ما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وفي : ثواباً وحسن لثواب.
والاختصاص في : لأولي الألباب، وفي : وما للظالمين من أنصار، وفي : توفنا مع الأبرار، وفي : ولا تحزنا يوم القيامة، وفي : وما عند الله خير للأبرار.
والتجنيس المماثل في : أن آمنوا فآمنا، وفي : عمل عامل منكم.
والمغاير في : منادياً ينادي.
والإشارة في : ما خلقت هذا باطلاً، والحذف في مواضع.