المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع :: «لكنّ الذين »، بشد النون، وعلى أن ﴿الذين﴾ في موضع نصب اسماً ل «لكنّ »، و ﴿نزلاً﴾ : معناه تكرمة، ونصبه على المصدر المؤكد، وقرأ الحسن :«نزْلاً » ساكنة الزاي، وقوله تعالى :﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ يحتمل أن يريد : خير مما هؤلاء فيه من التقلب والتنعم، ويحتمل أن يريد : خير مما هم فيه في الدنيا، وإلى هذا ذهب ابن مسعود فإنه قال : ما من مؤمن ولا كافر إلا والموت خير له، أما الكافر فلئلا يزداد إثماً، وأما المؤمن فلأن ما عند الله خير للأبرار(١).
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :
وروي عن النبي ﷺ أنه قال :«الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر »(٢)، فقال القاضي ابن الطيب : هذا هو بالإضافة إلى ما يصير إليه كل واحد منهما في الآخرة، فالدنيا على المؤمن المنعم سجن بالإضافة إلى الجنة، والدنيا للكافر الفقير المضيق عليه في حاله و صحته جنة بالإضافة إلى جهنم، وقيل : المعنى أنها سجن المؤمن لأنها موضع تعبه في الطاعات وصومه وقيامه، فهو فيها كالمعنت المنكل، وينتظر الثواب في الأخرى التي هي جنته، والدنيا جنة الكافر، لأنها موضع ثوابه على ما عسى أن يعمل من خير، وليس ينتظر في الآخرة ثواباً، فهذه جنته، وهذا القول عندي كالتفسير والشرح للأول.
١ -أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو بكر المروزي في الجنائز، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود بلفظ: (ما من نفس برة..)، وأخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي الدرداء بلفظ: (ما من مؤمن...)..
٢ - أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه- عن أبي هريرة، والطبراني، والحاكم، عن سليمان، والبزار عن ابن عمر (الجامع الصغير ١/٥٧٦)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى