فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
( لكن الذين اتقوا ربهم ) وقعت " لكن " هنا أحسن موقع فإنها وقعت بين ضدين وذلك ان معنى الجملتين التي قبلها وبعدها آيل إلى تعذيب الكفار وتنعيم المتقين، وهو استدراك مما تقدمه لأن معناه معنى النفي كأنه قال ليس لهم في تقلبهم في البلاد كثير انتفاع، لكن اتقوا وإن أخذوا في التجارة لا يضرهم ذلك وإن لهم ما وعدهم به.
وفي الشهاب وجه الاستدراك انه رد على الكفار فيما يتوهمون من أنهم ينعمون، وان المؤمنين في عناء ومشقة، فقال ليس الأمر كما توهمتم فإن المؤمنين لا عناء لهم إذا نظر إلى ما أعد لهم عند الله، أو انه لما ذكر تنعمهم بتقلبهم في البلاد، أوهم أن الله لا ينعم المؤمنين، فاستدرك عليه بأن ما هم فيه عين النعيم لأنه سبب لما بعده من النعم الجسام(١).
( لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) أي مقدرين الخلود ( نزلا ) النزل ما يهيأ للنزيل ويعد للضيف، والجمع أنزال ثم اتسع فيه فأطلق على الرزق والغذاء وإن لم يكن ضيف، ومنه ( فنزل من حميم ) وهو مصدر مؤكد عند البصريين أو جمع نازل، وقال الهروي ثوابا ( من عند الله ) وقيل إكراما من الله لهم أعدها لهم كما يعد القرى للضيف إكراما.
( وما عند الله ) مما عده لمن أطاعه ( خير ) للتفضيل وهو ظاهر ( للأبرار ) مما يحصل للكفار من الربح في الأسفار، فإنه متاع قليل عن قريب يزول.
عن ابن عمر قال إنما سماهم أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء كما أن لوالدك عليك حقا كذلك لولدك عليك حق وروى هذا مرفوعا والأول أصح قاله السيوطي، وقال ابن زيد خير لمن يطيع الله.
١ روى ابن الجوزي في تفسيره سببا لنزول هذه الآية:
ان النبي ﷺ أراد ان يستلف من بعضهم (اليهود) شعيرا فأبى إلا على رهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو أعطاني لأوفيته إني لأمين في السماء أمين في الأرض"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى