البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
اللهم : هو الله إلاَّ أنه مختص بالنداء فلا يستعمل في غيره، وهذه الميم التي لحقته عند البصريين هي عوض من حرف النداء، ولذلك لا تدخل عليه إلاَّ في الضرورة.
وعند الفراء : هي من قوله : يا الله أمنا بخير، وقد أبطلوا هذا النصب في علم النحو، وكبرت هذه اللفظة حتى حذفوا منها : أل، فقالوا : لا همّ، بمعنى : اللهمّ.
قال الزاجر :
وخففت ميمها في بعض اللغات قال :
نزع ينزع : جذب، وتنازعنا الحديث تجاذبناه، ومنه : نزاع الميت، ونزع إلى كذا : مال إليه وانجذب، ثم يعبر به عن الزوال، يقال : نزع الله عنه الشر : أزاله.
﴿ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ تقدم تفسير مثل هذا في البقرة، آخر آيات الربا.
﴿قل اللهم مالك الملك﴾ قال الكلبي : ظهرت صخرة في الخندق، فضربها ﷺ، فبرق برق فكبر، وكذا في الثانية والثالثة، فقال ﷺ :« في الأولى : قصور العجم، وفي الثاني : قصور الروم.
وفي الثالثة : قصور اليمن فأخبرني جبريل عليه السلام : أن أمتي ظاهرة على الكل » فعيره المنافقون بأنه يضرب المعول ويحفر الخندق فرقاً، ويتمنى ملك فارس والروم، فنزلت.
اختصره السجاوندي هكذا، وهو سبب مطول جداً.
وقال ابن عباس : لما فتحت مكة، كبر على المشركين وخافوا فتح العجم، فقال عبد الله بن أبي : هم أعز وأمنع، فنزلت.
وقال ابن عباس، وأنس : لما فتح ﷺ مكة، وعد أمته ملك فارس والروم، فنزلت.
وقيل : بلغ ذلك اليهود فقالو : هيهات ! هيهات ! فنزلت، فذلوا وطلبوا المواصمة.
وقال الحسن : سأل ﷺ ملك فارس والروم لأمته، فنزلت على لفظ النهي.
وروي نحوه عن قتادة أنه ذكر له ذلك.
وقال أبو مسلم الدمشقي : قالت اليهود : والله لا نطيع رجلاً جاء بنقل النبوّة من بني إسرائيل إلى غيرهم، فنزلت.
وقيل : نزلت رداً على نصارى نجران في قولهم : إن عيسى هو الله، وليس فيه شيء من هذه الأوصاف.
والملك هنا ظاهره السلطان والغلبة، وعلى هذا التفسير جاءت أسباب النزول.
وقال مجاهد : الملك النبوّة، وهذا يتنزل على نقل أبي مسلم في سبب النزول.
وقيل : المال والعبيد، وقيل : الدنيا والآخرة.
وقال الزجاج : مالك العباد وما ملكوا.
وقال الزمخشري : أي تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون.
وقال معناه ابن عطية، وقد تكلم في لفظة : اللهم، من جهة النحو، فقال : أجمعوا على أنها مضمومة الهاء مشدّدة الميم المفتوحة، وأنها منادى. انتهى.
وما ذكر من الإجماع على تشديد الميم قد نقل الفراء تخفيف ميمها في بعض اللغات، قال : وأنشد بعضهم :
قال الراد عليه : تخفيف الميم خطأ فاحش خصوصاً عند الفراء، لأن عنده هي التي في أمّنا، إذ لا يحتمل التخفيف أن تكون الميم فيه بقية أمّنا.
قال : والرواية الصحيحة يسمعها لاهه الكبار. انتهى.
وإن صح هذا البيت عن العرب كان فيه شذوذ آخر من حيث استعماله في غير النداء، ألا ترى أنه جعله في هذا البيت فاعلاً بالفعل الذي قبله ؟ قال أبو رجاء العطاردي : هذه الميم تجمع سبعين اسماً من اسمائه وقال النضر بن شميل : من قال اللهم فقد دعا الله بجميع أسمائه كلها.
وقال الحسن : اللهم مجمع الدعاء.
ومعنى قول النضر : إن اللهم هو الله زيدت فيه الميم، فهو الأسم العلم المتضمن لجميع أوصاف الذات، لأنك إذا قلت : جاء زيد، فقد ذكرت الأسم الخاص، فهو متضمن جميع أوصافه التي هي فيه من شهلة أو طول أو جود أو شجاعة، أو اضدادها وما أشبه ذلك.
وانتصاب : مالك الملك، على أنه منادى ثانٍ أي : يا مالك الملك، ولا يوصف اللهم عند سيبويه، وأجاز أبو العباس وأبو إسحاق وصفه، فهو عندهما صفة للاهم، وهي مسألة خلافية يبحث عنها في علم النحو.
﴿تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء﴾ الظاهر أن الملك هو السلطان والغلبة، كما أن ظاهر الملك الأوّل كذلك، فيكون الأوّل عاماً، وهذان خاصين.
والمعنى : إنك تعطي من شئت قسماً من الملك، وتنزع ممن شئت قسماً من الملك وقد فسر الملك هنا بالنبوّة أيضاً، ولا يتأتى هذا التفسير في : تنزع الملك، لأن الله لم يؤت النبوّة لأحد ثم نزعها منه إلاَّ أن يكون تنزع مجازاً بمعنى : تمنع النبوّة ممن تشاء، فيمكن.
وقال أبو بكر الوراق : هو ملك النفس ومنعها من اتباع الهوى.
وقيل : العافية، وقيل : القناعة.
وقيل : الغلبة بالدين والطاعة.
وقيل : قيام الليل.
وقال الشبلي : هو الاستغناء بالمكون عن الكونين.
وقال عبد العزيز بن يحيى : هو قهر إبليس كما كان يفرّ من ظل عمر، وعكسه من كان يجري الشيطان منه مجرى الدم.
وقيل : ملك المعرفة بلا علة، كما أتى سحرة فرعون، ونزع من بلعام.
وقال أبو عثمان : هو توفيق الإيمان.
وإذا حملناه على الأظهر : وهو السلطنة والغلبة، وكون المؤتَى هو الآمر المتبع، فالذي آتاه الملك هو محمد ﷺ وأمته، والمنزوع منهم فارس والروم.
وقيل : المنزوع منه أبو جهل وصناديد قريش.
وقيل : العرب وخلفاء الإسلام وملوكه، والمنزوع فارس والروم.
وقال السدي : الأنبياء أمر الناس بطاعتهم، والمنزوع منه الجبارون أمر الناس بخلافهم.
وقيل : آدم وولده، والمنزوع منه إبليس وجنوده.
وقيل : داود عليه السلام، والمنزوع منه طالوت.
وقيل : صخر، والمنزوع منه سليمان أيام محنته.
وقيل : المعنى تؤتي الملك في الجنة من تشاء وتنزع الملك من ملوك الدنيا في الآخرة ممن تشاء.
وقيل : الملك العزلة والانقطاع، وسموه الملك المجهول.
وهذه أقوال مضطربة، وتخصيصات ليس في الكلام ما يدل عليها، والأولى أن يحمل على جهة التمثيل لا الحصر في المراد.
﴿وتعز من تشاء وتذل من تشاء﴾ قيل : محمد ﷺ وأصحابه، حين دخلوا مكة في اثني عشر ألفاً ظاهرين عليها، وأذل أبا جهل وصناديد قريش حتى حزت رؤوسهم وألقوا في القليب.
وقيل : بالتوفيق والعرفان، وتدل بالخذلان.
وقال عطاء : المهاجرين والأنصار وتذل فارس والروم.
وقيل : بالطاعة وتذل بالمعصية.
وقيل : بالظفر والغنيمة وتذل بالقتل والجزية.
وقيل : بالإخلاص وتذل بالرياء.
وقيل بالغنى وتذل بالفقر.
وقيل : بالجنة والرؤية وتذل بالحجاب والنار، قاله الحسن بن الفضل.
وقيل : بقهر النفس وتذل باتباع الخزي، قاله الوراق.
وقيل : بقهر الشيطان وتذل بقهر الشيطان اياه، قاله الكتاني.
وقيل : بالقناعة والرضا وتذل بالحرص والطمع.
وينبغي حمل هذه الأقاويل على التمثيل لأنه لا مخصص في الآية، بل الذي يقع به العز والذل مسكوت عنه، وللمعتزلة هنا كلام مخالف لكلام أهل السنة، قال الكعبي : تؤتى الملك على سبيل الاستحقاق من يقوم به، ولا تنزعه إلاَّ ممن فسق، يدل عليه ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ ﴿إن الله اصطفاه عليكم﴾ جعل الاصطفاء سبباً للملك، فلا يجوز أن يكون ملك الظالمين بإيتائه وقد يكون، وقد ألزمهم أن لا يتملكوه، فصح أن الملوك العادلين هم المخصوصون بايتاء الله الملك، وأما الظالمون فلا.
أما النزع فبخلافه، فكما ينزعه من العادل لمصلحة، فقد ينزعه من الظالم.
وقال القاضي عبد الجبار : الإعزاز المضاف إليه تعالى يكون في الدين بالإمداد بالألطاف ومدحهم وتغلبهم على الأعداء، ويكون في الدنيا بالمال وإعطاء الهيبة.
وأشرف أنواع العزة في الدين هو الإيمان، وأذل الأشياء الموجبة للذلة هو الكفر، فلو كان حصول الإيمان والكفر من العبد لكان إعزاز العبد نفسه بالإيمان وإذلاله نفسه بالكفر أعظم من إعزاز الله إياه وإذلاله، ولو كان كذلك كان حظه من هذا الوصف أتم من حظه سبحانه، وهو باطل قطعاً.
وقال الجبائي : يذل أعداءه في الدنيا والآخرة، ولا يذل أولياءه وإن أفقرهم وأمرضهم وأخافهم وأحوجهم إلى غير ذلك، لأن ذلك لعزهم في الآخرة بالثواب أو العوض فصار كالفصد يؤلم في الحال ويعقب نفعاً.
قال : ووصف الفقر بكونه ذلاً مجازاً، كقوله ﴿أذلة على المؤمنين﴾ وإذلال الله المبطل بوجوه بالذم واللعن، وخذلانهم بالحجة والنصرة، وبجعلهم لأهل دينه غنيمة، وبعقوبتهم في الآخرة.
﴿بيدك الخير﴾ أي : بقدرتك وتصديقك وقع الخير، ويستحيل وجود اليد بمعنى الجارحه لله تعالى.
قيل : المعنى والشر، نحو : تقيكم الحرّ، أي والبرد.
وحذف المعطوف جائز لفهم المعنى، إذ أحد الضدين يفهم منه الآخر، وهو تعالى قد ذكر إيتاء الملك ونزعه، والإعزاز والإذلال، وذلك خير لناس وشر لآخرين، فلذلك كان التقدير : بيدك الخير والشر، ثم ختمها بقوله ﴿إنك على كل شيء قدير﴾ فجاء بهذا العام المندرج تحته الأوصاف السابقة، وجمع الخيور والشرور، وفي الاقتصار على ذكر الخير تعليم لنا كيف نمدح بأن نذكر أفضل الخصال.
وقال الزمخشري.
فإن قلت : كيف قال ﴿بيدك الخير﴾ فذكر الخير دون الشر ؟
قلت لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين، وهو الذي أنكرته الكفرة، فقال :﴿بيدك الخير﴾ تؤتيه أولياءك على رغم أعدائك، ولأن كل أفعال الله من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله.
انتهى كلامه، وهو يدافع آخرهُ أولَه، لأنه ذكر في السؤال ؛ لم اقتصر على ذكر الخير دون الشر ؟
وأجاب بالجواب الأول، وذلك يدل على أن بيده تعالى الخير والشر، وإنما كان اقتصاره على الخير لأن الكلام إنما وقع فيما يسوقه تعالى من الخير للمؤمنين، فناسب الاقتصار على ذكر الخير فقط.
وأجاب بالجواب الثاني : وذلك يدل على أنه تعالى جميع أفعاله خير ليس فيها شر، وهذا الجواب يناقض الأول.
وقال ابن عطية : خص الخير بالذكر، وهو تعالى بيده كل شيء، إذ الآية في معنى دعاء ورغبة، فكان المعنى :﴿بيدك الخير﴾ فأجزل حظي منه.
وقال الراغب : لما كانت في الحمد والشكر لا للحكم، ذكر الخير إذ هو المشكور عليه.
وقال الرازي : الخير فيه الألف واللام الدالة على العموم، وتقديم : بيدك، يدل على الحصر، فدل على أن لا خير إلاَّ بيده، وأفضل الخيرات الإيمان، فوجب أن يكون بخلق الله.
ولأن فاعل الأشرف أشرف، والإيمان أشرف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قيل : وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من : الفصاحة، والبلاغة، والبديع.
الاستفهام الذي معناه التعجب في ﴿ألم تر إلى الذين﴾.
والإشارة في ﴿نصيباً من الكتاب﴾ فإدخال : من، يدل على أنهم لم يحيطوا بالتوراة علماً ولا حفظاً، وذلك إشارة إلى الإزراء بهم، وتنقيص قدرهم وذمهم، اذ يزعمون أنهم أخيار وهم بخلاف ذلك، وفي قوله ﴿ذلك بأنهم﴾ إشارة إلى توليهم وإعراضهم اللذين سببهما افتراؤهم، وفي ﴿ووفيت كل نفس﴾ إشارة إلى أن جزاء أعمالهم لا ينقص منه شيء.
والتكرار في ﴿نصيباً من الكتاب﴾ ﴿يدعون إلى كتاب الله﴾ إما في اللفظ والمعنى إن كان المدلول واحداً، وإما في اللفظ إن كان مختلفاً.
وفي التولي والإعراض إن كانا بمعنى واحد.
وفي :﴿مالك الملك﴾ ﴿تؤتي الملك﴾ ﴿وتنزع الملك﴾ وتكراره في جمل للتفخيم والتعظيم إن كان المراد واحداً، وإن اختلف كان من تكرار اللفظ فقط، وتكرار ﴿من تشاء﴾ وفي ﴿تولج﴾ وفي ﴿تخرج﴾ وفي متعلقيهما.
والاتساع في جعل : في، بمعنى : على، على قول من زعم ذلك في قوله ﴿تولج الليل في النهار﴾ أي على النهار، ﴿وتولج النهار في الليل﴾ أي على الليل.
وعبر بالإيلاج عن العلو والتغشية.
والنفي المتضمن الأمر في ﴿لا ريب فيه﴾ على قول الزجاج، أي لا ترتابوا فيه، والتجنيس المماثل في ﴿مالك الملك﴾ والطباق : في : تؤتي وتنزع، وتعز وتذل، وفي الليل والنهار، وفي الحي والميت.
ورد العجز على الصدر في : تولج، وما بعده، والحذف وهو في مواضع مما يتوقف فهم الكلام على تقديرها.
كقوله ﴿تؤتي الملك من تشاء﴾ أي من تشاء أن تؤتيه.
والإسناد المجازي في ﴿ليحكم بينهم﴾ أسند الحكم إلى الكتاب لأنه يبين الأحكام فهو سبب الحكم وروي في الحديث :« إن من أراد قضاء دينه قرأ كل يوم : قل اللهم مالك الملك إلى بغير حساب.
ويقول رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي منهما من تشاء اقض عني ديني. فلو كان ملء الأرض ذهباً لأداه الله».
وعند الفراء : هي من قوله : يا الله أمنا بخير، وقد أبطلوا هذا النصب في علم النحو، وكبرت هذه اللفظة حتى حذفوا منها : أل، فقالوا : لا همّ، بمعنى : اللهمّ.
قال الزاجر :
| لا هم إني عامر بن جهم | أحرم حجاً في ثياب دسم |
| كَحَلْفَة من أبي رياح | يسمعها اللَّهُمَ الكُبار |
﴿ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ تقدم تفسير مثل هذا في البقرة، آخر آيات الربا.
﴿قل اللهم مالك الملك﴾ قال الكلبي : ظهرت صخرة في الخندق، فضربها ﷺ، فبرق برق فكبر، وكذا في الثانية والثالثة، فقال ﷺ :« في الأولى : قصور العجم، وفي الثاني : قصور الروم.
وفي الثالثة : قصور اليمن فأخبرني جبريل عليه السلام : أن أمتي ظاهرة على الكل » فعيره المنافقون بأنه يضرب المعول ويحفر الخندق فرقاً، ويتمنى ملك فارس والروم، فنزلت.
اختصره السجاوندي هكذا، وهو سبب مطول جداً.
وقال ابن عباس : لما فتحت مكة، كبر على المشركين وخافوا فتح العجم، فقال عبد الله بن أبي : هم أعز وأمنع، فنزلت.
وقال ابن عباس، وأنس : لما فتح ﷺ مكة، وعد أمته ملك فارس والروم، فنزلت.
وقيل : بلغ ذلك اليهود فقالو : هيهات ! هيهات ! فنزلت، فذلوا وطلبوا المواصمة.
وقال الحسن : سأل ﷺ ملك فارس والروم لأمته، فنزلت على لفظ النهي.
وروي نحوه عن قتادة أنه ذكر له ذلك.
وقال أبو مسلم الدمشقي : قالت اليهود : والله لا نطيع رجلاً جاء بنقل النبوّة من بني إسرائيل إلى غيرهم، فنزلت.
وقيل : نزلت رداً على نصارى نجران في قولهم : إن عيسى هو الله، وليس فيه شيء من هذه الأوصاف.
والملك هنا ظاهره السلطان والغلبة، وعلى هذا التفسير جاءت أسباب النزول.
وقال مجاهد : الملك النبوّة، وهذا يتنزل على نقل أبي مسلم في سبب النزول.
وقيل : المال والعبيد، وقيل : الدنيا والآخرة.
وقال الزجاج : مالك العباد وما ملكوا.
وقال الزمخشري : أي تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون.
وقال معناه ابن عطية، وقد تكلم في لفظة : اللهم، من جهة النحو، فقال : أجمعوا على أنها مضمومة الهاء مشدّدة الميم المفتوحة، وأنها منادى. انتهى.
وما ذكر من الإجماع على تشديد الميم قد نقل الفراء تخفيف ميمها في بعض اللغات، قال : وأنشد بعضهم :
| كَحْلَفةٍ من أبي رِيَاح | يسمعها اللَّهم الكبار |
قال : والرواية الصحيحة يسمعها لاهه الكبار. انتهى.
وإن صح هذا البيت عن العرب كان فيه شذوذ آخر من حيث استعماله في غير النداء، ألا ترى أنه جعله في هذا البيت فاعلاً بالفعل الذي قبله ؟ قال أبو رجاء العطاردي : هذه الميم تجمع سبعين اسماً من اسمائه وقال النضر بن شميل : من قال اللهم فقد دعا الله بجميع أسمائه كلها.
وقال الحسن : اللهم مجمع الدعاء.
ومعنى قول النضر : إن اللهم هو الله زيدت فيه الميم، فهو الأسم العلم المتضمن لجميع أوصاف الذات، لأنك إذا قلت : جاء زيد، فقد ذكرت الأسم الخاص، فهو متضمن جميع أوصافه التي هي فيه من شهلة أو طول أو جود أو شجاعة، أو اضدادها وما أشبه ذلك.
وانتصاب : مالك الملك، على أنه منادى ثانٍ أي : يا مالك الملك، ولا يوصف اللهم عند سيبويه، وأجاز أبو العباس وأبو إسحاق وصفه، فهو عندهما صفة للاهم، وهي مسألة خلافية يبحث عنها في علم النحو.
﴿تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء﴾ الظاهر أن الملك هو السلطان والغلبة، كما أن ظاهر الملك الأوّل كذلك، فيكون الأوّل عاماً، وهذان خاصين.
والمعنى : إنك تعطي من شئت قسماً من الملك، وتنزع ممن شئت قسماً من الملك وقد فسر الملك هنا بالنبوّة أيضاً، ولا يتأتى هذا التفسير في : تنزع الملك، لأن الله لم يؤت النبوّة لأحد ثم نزعها منه إلاَّ أن يكون تنزع مجازاً بمعنى : تمنع النبوّة ممن تشاء، فيمكن.
وقال أبو بكر الوراق : هو ملك النفس ومنعها من اتباع الهوى.
وقيل : العافية، وقيل : القناعة.
وقيل : الغلبة بالدين والطاعة.
وقيل : قيام الليل.
وقال الشبلي : هو الاستغناء بالمكون عن الكونين.
وقال عبد العزيز بن يحيى : هو قهر إبليس كما كان يفرّ من ظل عمر، وعكسه من كان يجري الشيطان منه مجرى الدم.
وقيل : ملك المعرفة بلا علة، كما أتى سحرة فرعون، ونزع من بلعام.
وقال أبو عثمان : هو توفيق الإيمان.
وإذا حملناه على الأظهر : وهو السلطنة والغلبة، وكون المؤتَى هو الآمر المتبع، فالذي آتاه الملك هو محمد ﷺ وأمته، والمنزوع منهم فارس والروم.
وقيل : المنزوع منه أبو جهل وصناديد قريش.
وقيل : العرب وخلفاء الإسلام وملوكه، والمنزوع فارس والروم.
وقال السدي : الأنبياء أمر الناس بطاعتهم، والمنزوع منه الجبارون أمر الناس بخلافهم.
وقيل : آدم وولده، والمنزوع منه إبليس وجنوده.
وقيل : داود عليه السلام، والمنزوع منه طالوت.
وقيل : صخر، والمنزوع منه سليمان أيام محنته.
وقيل : المعنى تؤتي الملك في الجنة من تشاء وتنزع الملك من ملوك الدنيا في الآخرة ممن تشاء.
وقيل : الملك العزلة والانقطاع، وسموه الملك المجهول.
وهذه أقوال مضطربة، وتخصيصات ليس في الكلام ما يدل عليها، والأولى أن يحمل على جهة التمثيل لا الحصر في المراد.
﴿وتعز من تشاء وتذل من تشاء﴾ قيل : محمد ﷺ وأصحابه، حين دخلوا مكة في اثني عشر ألفاً ظاهرين عليها، وأذل أبا جهل وصناديد قريش حتى حزت رؤوسهم وألقوا في القليب.
وقيل : بالتوفيق والعرفان، وتدل بالخذلان.
وقال عطاء : المهاجرين والأنصار وتذل فارس والروم.
وقيل : بالطاعة وتذل بالمعصية.
وقيل : بالظفر والغنيمة وتذل بالقتل والجزية.
وقيل : بالإخلاص وتذل بالرياء.
وقيل بالغنى وتذل بالفقر.
وقيل : بالجنة والرؤية وتذل بالحجاب والنار، قاله الحسن بن الفضل.
وقيل : بقهر النفس وتذل باتباع الخزي، قاله الوراق.
وقيل : بقهر الشيطان وتذل بقهر الشيطان اياه، قاله الكتاني.
وقيل : بالقناعة والرضا وتذل بالحرص والطمع.
وينبغي حمل هذه الأقاويل على التمثيل لأنه لا مخصص في الآية، بل الذي يقع به العز والذل مسكوت عنه، وللمعتزلة هنا كلام مخالف لكلام أهل السنة، قال الكعبي : تؤتى الملك على سبيل الاستحقاق من يقوم به، ولا تنزعه إلاَّ ممن فسق، يدل عليه ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ ﴿إن الله اصطفاه عليكم﴾ جعل الاصطفاء سبباً للملك، فلا يجوز أن يكون ملك الظالمين بإيتائه وقد يكون، وقد ألزمهم أن لا يتملكوه، فصح أن الملوك العادلين هم المخصوصون بايتاء الله الملك، وأما الظالمون فلا.
أما النزع فبخلافه، فكما ينزعه من العادل لمصلحة، فقد ينزعه من الظالم.
وقال القاضي عبد الجبار : الإعزاز المضاف إليه تعالى يكون في الدين بالإمداد بالألطاف ومدحهم وتغلبهم على الأعداء، ويكون في الدنيا بالمال وإعطاء الهيبة.
وأشرف أنواع العزة في الدين هو الإيمان، وأذل الأشياء الموجبة للذلة هو الكفر، فلو كان حصول الإيمان والكفر من العبد لكان إعزاز العبد نفسه بالإيمان وإذلاله نفسه بالكفر أعظم من إعزاز الله إياه وإذلاله، ولو كان كذلك كان حظه من هذا الوصف أتم من حظه سبحانه، وهو باطل قطعاً.
وقال الجبائي : يذل أعداءه في الدنيا والآخرة، ولا يذل أولياءه وإن أفقرهم وأمرضهم وأخافهم وأحوجهم إلى غير ذلك، لأن ذلك لعزهم في الآخرة بالثواب أو العوض فصار كالفصد يؤلم في الحال ويعقب نفعاً.
قال : ووصف الفقر بكونه ذلاً مجازاً، كقوله ﴿أذلة على المؤمنين﴾ وإذلال الله المبطل بوجوه بالذم واللعن، وخذلانهم بالحجة والنصرة، وبجعلهم لأهل دينه غنيمة، وبعقوبتهم في الآخرة.
﴿بيدك الخير﴾ أي : بقدرتك وتصديقك وقع الخير، ويستحيل وجود اليد بمعنى الجارحه لله تعالى.
قيل : المعنى والشر، نحو : تقيكم الحرّ، أي والبرد.
وحذف المعطوف جائز لفهم المعنى، إذ أحد الضدين يفهم منه الآخر، وهو تعالى قد ذكر إيتاء الملك ونزعه، والإعزاز والإذلال، وذلك خير لناس وشر لآخرين، فلذلك كان التقدير : بيدك الخير والشر، ثم ختمها بقوله ﴿إنك على كل شيء قدير﴾ فجاء بهذا العام المندرج تحته الأوصاف السابقة، وجمع الخيور والشرور، وفي الاقتصار على ذكر الخير تعليم لنا كيف نمدح بأن نذكر أفضل الخصال.
وقال الزمخشري.
فإن قلت : كيف قال ﴿بيدك الخير﴾ فذكر الخير دون الشر ؟
قلت لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين، وهو الذي أنكرته الكفرة، فقال :﴿بيدك الخير﴾ تؤتيه أولياءك على رغم أعدائك، ولأن كل أفعال الله من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله.
انتهى كلامه، وهو يدافع آخرهُ أولَه، لأنه ذكر في السؤال ؛ لم اقتصر على ذكر الخير دون الشر ؟
وأجاب بالجواب الأول، وذلك يدل على أن بيده تعالى الخير والشر، وإنما كان اقتصاره على الخير لأن الكلام إنما وقع فيما يسوقه تعالى من الخير للمؤمنين، فناسب الاقتصار على ذكر الخير فقط.
وأجاب بالجواب الثاني : وذلك يدل على أنه تعالى جميع أفعاله خير ليس فيها شر، وهذا الجواب يناقض الأول.
وقال ابن عطية : خص الخير بالذكر، وهو تعالى بيده كل شيء، إذ الآية في معنى دعاء ورغبة، فكان المعنى :﴿بيدك الخير﴾ فأجزل حظي منه.
وقال الراغب : لما كانت في الحمد والشكر لا للحكم، ذكر الخير إذ هو المشكور عليه.
وقال الرازي : الخير فيه الألف واللام الدالة على العموم، وتقديم : بيدك، يدل على الحصر، فدل على أن لا خير إلاَّ بيده، وأفضل الخيرات الإيمان، فوجب أن يكون بخلق الله.
ولأن فاعل الأشرف أشرف، والإيمان أشرف.
الاستفهام الذي معناه التعجب في ﴿ألم تر إلى الذين﴾.
والإشارة في ﴿نصيباً من الكتاب﴾ فإدخال : من، يدل على أنهم لم يحيطوا بالتوراة علماً ولا حفظاً، وذلك إشارة إلى الإزراء بهم، وتنقيص قدرهم وذمهم، اذ يزعمون أنهم أخيار وهم بخلاف ذلك، وفي قوله ﴿ذلك بأنهم﴾ إشارة إلى توليهم وإعراضهم اللذين سببهما افتراؤهم، وفي ﴿ووفيت كل نفس﴾ إشارة إلى أن جزاء أعمالهم لا ينقص منه شيء.
والتكرار في ﴿نصيباً من الكتاب﴾ ﴿يدعون إلى كتاب الله﴾ إما في اللفظ والمعنى إن كان المدلول واحداً، وإما في اللفظ إن كان مختلفاً.
وفي التولي والإعراض إن كانا بمعنى واحد.
وفي :﴿مالك الملك﴾ ﴿تؤتي الملك﴾ ﴿وتنزع الملك﴾ وتكراره في جمل للتفخيم والتعظيم إن كان المراد واحداً، وإن اختلف كان من تكرار اللفظ فقط، وتكرار ﴿من تشاء﴾ وفي ﴿تولج﴾ وفي ﴿تخرج﴾ وفي متعلقيهما.
والاتساع في جعل : في، بمعنى : على، على قول من زعم ذلك في قوله ﴿تولج الليل في النهار﴾ أي على النهار، ﴿وتولج النهار في الليل﴾ أي على الليل.
وعبر بالإيلاج عن العلو والتغشية.
والنفي المتضمن الأمر في ﴿لا ريب فيه﴾ على قول الزجاج، أي لا ترتابوا فيه، والتجنيس المماثل في ﴿مالك الملك﴾ والطباق : في : تؤتي وتنزع، وتعز وتذل، وفي الليل والنهار، وفي الحي والميت.
ورد العجز على الصدر في : تولج، وما بعده، والحذف وهو في مواضع مما يتوقف فهم الكلام على تقديرها.
كقوله ﴿تؤتي الملك من تشاء﴾ أي من تشاء أن تؤتيه.
والإسناد المجازي في ﴿ليحكم بينهم﴾ أسند الحكم إلى الكتاب لأنه يبين الأحكام فهو سبب الحكم وروي في الحديث :« إن من أراد قضاء دينه قرأ كل يوم : قل اللهم مالك الملك إلى بغير حساب.
ويقول رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي منهما من تشاء اقض عني ديني. فلو كان ملء الأرض ذهباً لأداه الله».