البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
نزلت في اليهود، قالوا :﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ أو : في قول المشركين ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ قالوا ذلك، وقد نصبت قريش أصنامها يسجدون لها، فقال رسول الله ﷺ :« يا معشر قريش لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم » وكلا هذين القولين عن ابن عباس.
وقال الحسن، وابن جريج : في قوم قالوا : إنا لنحب ربنا حباً شديداً.
وقال محمد بن جعفر بن الزبير : في وفد نجران حيث قالوا : إنا نعظم المسيح حباً لله. انتهى.
ولفظ الآية يعم كل من ادّعى محبة الله، فمحبة العبد لله عبارة عن ميل قلبه إلى ما حدّه له تعالى وأمره به، والعمل به واختصاصه إياه بالعبادة، ومحبته تعالى للعبد تقدّم الكلام عليها، وهل هي من صفات الذات أم من صفات الفعل، فأغنى عن إعادته.
رتب تعالى على محتبهم له اتباع رسوله محبته لهم، وذلك أن الطريق الموصل إلى رضاه تعالى إنما هو مستفاد من نبيه، فإنه هو المبين عن الله، إذ لا يهتدي العقل إلى معرفة أحكام الله في العبادات ولا في غيرها، بل رسوله ﷺ هو الموضح لذلك، فكان اتباعه فيما أتى به احتماء لمن يحب أن يعمل بطاعة الله تعالى.
وقرأ الجمهور : تحبون، ويحببكم، من أحب.
وقرأ أبو رجاء العطاردي : تحبون ويحببكم، بفتح التاء والياء من حب، وهما لغتان وقد تقدّم ذكرهما.
وذكر الزمخشري أنه قرئ : يحبكم، بفتح الياء والإدغام.
وقرأ الزهري : فاتبعوني، بتشديد النون، ألحق فعل الأمر نون التوكيد وأدغمها في نون الوقاية، ولم يحذف الواو شبهاً : بأتحاجوني، وهذا توجيه شذوذ.
قال الزمخشري : أراد أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل، فمن أدّعى محبته وخالف سنة رسوله فهو كذاب، وكتاب الله يكذبه.
ثم ذكر من يذكر محبة الله، ويصفق بيديه مع ذكرها، ويطرب وينعر ويصفق، وقبح من فعله هذا، وزرى على فاعل ذلك بما يوقف عليه في كتابه.
وروي عن أبي عمر إدغام : راء، و : يغفر لكم، في لام : لكم، وذكر ابن عطية عن الزجاج أن ذلك خطأ وغلط ممن رواها عن أبي عمرو، وقد تقدّم لنا الكلام على ذلك، وذكرنا أن رؤساء الكوفة : أبا جعفر الرؤاسي، والكسائي، والفراء رووا ذلك عن العرب، ورأسان من البصريين وهما : أبو عمرو، ويعقوب قرآ بذلك وروياه، فلا التفات لمن خالف في ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قيل : وفي هذه الآيات من ضروب الفصاحة وفنون البلاغة :
الخطاب العام الذي سببه خاص في قوله ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين﴾ والتكرار، في قوله : المؤمنون من دون المؤمنين، وفي قوله : من الله، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله، وفي : يعلمه الله، ويعلم، وفي قوله : يعلمه الله، والله على، وفي قوله : ما عملت، وما عملت، وفي قوله : الله نفسه، والله، وفي قوله : ويحذركم الله، والله روؤف، وفي قوله : تحبون الله، يحببكم الله، والله غفور، قل أطيعوا الله، فإن الله.
والتجنيس المماثل في : تحبون ويحببكم، والتجنيس المغاير، في : تتقوا منهم تقاه، وفي يغفر لكم وغفور.
والطباق في : تخفوا وتبدوه، وفي : من خير ومن سوء، وفي : محضراً وبعيداً.
والتعبير بالمحل عن الشيء في قوله : ما في صدوركم، عبر بها عن القلوب، قال تعالى :﴿فإنها لا تعمى الأبصار﴾ الآية.
والإشارة في قوله : ومن يفعل ذلك، الآية.
أشار إلى انسلاخهم من ولاية الله.
والاختصاص في قوله : ما في صدوركم، وفي قوله : ما في السموات وما في الأرض.
والتأنيس بعد الإيحاش في قوله : والله رؤوف بالعباد، والحذف في عدة مواضع تقدم ذكرها في التفسير.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى