المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
قال الطبري : العامل في ﴿إذ﴾ قوله ﴿سميع﴾ فهو عطف على قوله :﴿إذ قالت امرأة عمران﴾ [آل عمران: ٣٥]، وقال كثير من النحاة : العامل في ﴿إذ﴾ في هذه الآية فعل مضمر تقديره «واذكر » وهذا هو الراجح لأن هذه الآيات كلها إنما هي إخبارات بغيب تدل على نبوة محمد عليه السلام، مقصد ذكرها هو الأظهر في حفظ رونق الكلام، وقرأ عبد الله بن عمر وابن مسعود، «وإذ قال الملائكة »، واختلف المفسرون هل المراد هنا بالملائكة جبريل وحده أو جمع من الملائكة ؟ وقد تقدم القول على معنى مثلها في قوله تعالى :﴿فنادته الملائكة﴾ [آل عمران: ٣٩] و﴿اصطفاك﴾ مأخوذ من صفا يصفو وزنه - افتعل - وبدلت التاء طاء لتناسب الصاد، فالمعنى تخيرك لطاعته وقوله تعالى :﴿وطهرك﴾ معناه من كل ما يصم النساء في خلق أو خلق أو دين قاله مجاهد وغيره، وقال الزجّاج، قد جاء في التفسير أن معناه طهرك من الحيض والنفاس.
قال الفقيه أبو محمد : وهذا يحتاج إلى سند قوي وما أحفظه.
وقوله تعالى :﴿واصطفاك على نساء العالمين﴾ إن جعلنا ﴿العالمين﴾ عاماً فيمن تقدم وتأخر جعلنا الاصطفاء مخصوصاً في أمر عيسى عليه السلام وأنها اصطفيت لتلد من غير فحل، وإن جعلنا الاصطفاء عاماً جعلنا قوله تعالى :﴿العالمين﴾ مخصوصاً في عالم ذلك الزمان، قاله ابن جريج وغيره، وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :«خير نساء الجنة مريم بنت عمران، وخير نساء الجنة، خديجة بنت خويلد » وروي عنه أنه قال :«خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد »(١)، فذهب الطبري وغيره إلى أن الضمير في قوله - نسائها - يراد به الجنة، وذهب قوم إلى أنه يراد به الدنيا، أي كل امرأة في زمانها، وقال النبي عليه السلام، «خير نساء ركبن الإبل، صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه إلى زوج في ذات يده »(٢)، وقال أبو هريرة راوي الحديث : ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط، وهذه الزيادة فيها غيب، فلا يتأول أن أبا هريرة رضي الله عنه، قالها إلا عن سماع من النبي ﷺ، وروى أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال، «خير نساء العالمين أربع، مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد »(٣)، وقد أسند الطبري، أن النبي عليه السلام، قال لفاطمة بنته، «أنت سيدة نساء أهل الجنة، إلا مريم بنت عمران، البتول »(٤)، وأنه قال، «فضلت خديجة على نساء أمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين »(٥).
قال الفقيه الإمام أبو محمد : وإذا تأملت هذه الأحاديث وغيرها مما هو في معناها، وجدت مريم فيها متقدمة، فسائغ أن يتأول عموم الاصطفاء على ﴿العالمين﴾ عموماً أيضاً، وقد قال بعض الناس، إن مريم نبية(٦)، قال ابن إسحاق، كانت الملائكة تقبل على مريم فتقول، ﴿يا مريم إن الله اصطفاك﴾، الآية، فيسمع ذلك زكريا فيقول، إن لمريم لشأناً، فمن مخاطبة الملائكة لها، جعلها هذا القائل نبية، وجمهور الناس على أنه لم تنبأ امرأة.
١ - أخرجه البخاري ومسلم وكذا الترمذي عن علي. (الجامع الصغير ١/٥٥٣)..
٢ -أخرجه الشيخان، والإمام أحمد عن أبي هريرة: "الجامع الصغير" ١/٥٥٣.
٣ - أخرجه الإمام أحمد، والطبراني –عن أنس. "الجامع الصغير" ١/٥٥٣..
٤ - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٣/٢٦٤..
٥ - أخرجه ابن جرير في تفسيره ٣/٢٦٤..
٦ - القول بنبوة مريم شهير، وقد مال الشيخ تقي الدين السبكي في الحلبيات، وابن السيد إلى ترجيحه، وذكر أن ذكرها مع الأنبياء في سورتهم قرينة قوية لذلك. تفسير روح المعاني ٣/١٥٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى