غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
﴿القراءات﴾ :﴿أن تنزل﴾ خفيفاً : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بالتشديد. ﴿حج البيت﴾ بكسر الحاء : يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون بفتحها.
الوقوف :﴿تحبون﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿تنزل التوراة﴾ ط ﴿صادقين﴾ ه ﴿الظالمون﴾ ه ﴿حنيفاً﴾ ط ﴿المشركين﴾ ه ﴿للعالمين﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿مقام إبراهيم﴾ ج للابتداء بالشرط مع الواو لأن الأمن من الآيات ﴿آمنا﴾ ط ﴿سبيلا﴾ ط ﴿العالمين﴾ ه ﴿بآيات الله﴾ ط قد قيل : والوجه الوصل لأن الواو للحال ﴿تعملون﴾ ه ﴿شهداء﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿كافرين﴾ ه ﴿رسوله﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿مستقيم﴾ ه.
التفسير : إنه سبحانه لما ذكر أن الإنفاق لا ينفع الكافر البتة، علّم المؤمنين كيفية الإنفاق الذين ينتفعون به في الآخرة وهو الإنفاق من أحب الأشياء إليهم. وههنا لطيفة وهي أنه سبحانه وتعالى سمى جوامع خصال الخير براً في قوله تعالى :﴿ولكن البر من آمن بالله﴾[البقرة: ١٧٧] الآية. وذكر في هذه الآية ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ فالمعنى أنكم وإن أتيتم بكل الخيرات لم تفوزوا بإحراز خصلة البر ولم تبلغوا حقيقتها حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها. وكان السلف رحمهم الله إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله. يروى أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال : يا رسول الله، حائط لي بالمدينة - يعني بيرحاء - وهو أحب أموالي إليّ صدقة. فقال ﷺ " بخ بخ، ذاك مال رابح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ". فقال أبو طلحة : افعل يا رسول الله. فقسمها ﷺ في أقاربه. وروي أنه ﷺ جعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب. وروي أن زيد بن حارثة جاء عند نزول الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله، فجعله رسول الله ﷺ لأسامة بن زيد. فوجد زيد في نفسه وقال : إنما أردت أن أتصدق به. فقال ﷺ :" أما إن الله قد قبلها منك ". وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما رآها أعجبته فقال : إن الله تعالى يقول :﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ فأعتقها ولم يصب منها. ونزل بأبي ذرّ ضيف فقال للراعي : ائتني بخير إبلي. فجاء بناقة مهزولة فقال : خنتني. فقال : وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتك إليه. فقال : إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي. وفي تفسير البر قولان :
أحدهما ما به يصيرون أبراراً ليدخلوا في قوله :﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾[الانفطار: ١٣] فيكون المراد بالبر ما يصدر منهم من الأعمال المقبولة المذكورة في قوله :﴿ولكن البر من آمن﴾[البقرة: ١٧٧] وجملتها التقوى لقوله :﴿أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾[البقرة: ١٧٧].
والثاني الجنة أي لن تنالوا ثواب البر. وقيل : المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم من قول الناس " برني فلان بكذا وبر فلان لا ينقطع عني ". وقال تعالى :﴿أن تبروا وتتقوا﴾[البقرة: ٢٢٤] و " من " في قوله :﴿مما تحبون﴾ للتبعيض نحو : أخذت من المال. ويؤيده قراءة عبد الله بن مسعود ﴿بعض ما تحبون﴾ وفيه أن إنفاق كل المال غير مندوب بل غير جائز لمن يحتاج إليه. والمراد بما تحبون قال بعضهم : هو نفس المال لقوله تعالى :﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾[العاديات: ٨] وقيل : هو ما يكون محتاجاً إليه كقوله :﴿ويطعمون الطعام على حبه﴾[ الدهر : ٨ ]﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾[الحشر: ٩] وقيل : هو أطيب المال وأرفعه كما مر. وعن ابن عباس : أراد به الزكاة أي حتى تخرجوا زكاة أموالكم. ويريد عليه أنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها، وقال الحسن : هو كل ما أنفقه المسلم من ماله يطلب به وجه الله. ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي أنها منسوخة بآية الزكاة. وضعف بأن إيجاب الزكاة لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله. و " من " في ﴿من شيء﴾ للتبيين يعني من أي شيء كان، طيب أو خبيث ﴿فإن الله به عليم﴾ فيجازيكم بحسبه أو يعلم الوجه الذي لأجله تنفقون من الإخلاص أو الرياء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿لن تنالوا البر﴾ وهو صفة الله ﴿حتى تنفقوا﴾ أحب الأشياء إليكم وهو أنفسكم. إن الفراش لم ينل من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه ﴿كل الطعام كان حلاً﴾ الخلق ثلاثة أصناف : الملك النوراني العلوي وغذاؤه الذكر وخلق للعبادة، والحيوان الظلماني السفلي وغذاؤه الطعام وخلق للخدمة، والإنسان المركب من القبيلين وغذاؤه لروحانيته الذكر ولجسمانيته الطعام وخلق للمعرفة والخلافة. وهذا الصنف على ثلاثة أقسام : منهم ظالم لنفسه وهو الذي بالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾[الأعراف: ١٧٩] ومنهم مقتصد وهو الذي تساوى طرفاه ﴿خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً﴾[التوبة: ١٠٢]﴿ومنهم سابق بالخيرات﴾[فاطر: ٣٢] وهو الذي بالغ في غذاء روحانيته وهو المذكور، وفرط في غذاء جسمانيته حتى ماتت نفسه وقوي روحه ﴿أولئك هم خير البرية﴾[البينة: ٧] فكان كل الطعام حلالاً للإنسان كما للحيوان إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل الوحي والإلهام كما قيل : المجاهدات تورث المشاهدات ﴿والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا﴾
[العنكبوت: ٦٩] فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس ﴿قل صدق الله﴾ في قوله :﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا﴾ ﴿فاتبعوا ملة إبراهيم﴾ وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم الولد للقربان ﴿وما كان من المشركين﴾ الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر ﴿إن أول بيت وضع للناس﴾ لا لله لأنه غني عن العالمين. وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة صدر الإسلام مباركاً عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده. فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن ﴿فيه آيات بينات﴾ يصل بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة التي توصل الخليل إلى خليله ﴿ومن دخله﴾ يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس والولد وإرضاء خليله ﴿كان آمناً﴾ من نار القطيعة ومن عذاب الحجاب، ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه. ومنها الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسماوات بخلوص النيات وصفاء الطويات. ومنها الوقوف بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد والوفاء. ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول الكعبة الربوبية. ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات. ومنها الحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية. وقس سائر المناسك على هذا. ﴿ومن كفر﴾ بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لجذبات الأعطاف التي توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة ﴿فإن الله غني عن العالمين﴾ لا يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه. ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ ظاهر الخطاب معهم وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون فيضلون ويضلون، وما العصمة عن إتباع الهوى إلا منه تعالى.


﴿القراءات﴾ :﴿أن تنزل﴾ خفيفاً : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بالتشديد. ﴿حج البيت﴾ بكسر الحاء : يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون بفتحها.
الوقوف :﴿تحبون﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿تنزل التوراة﴾ ط ﴿صادقين﴾ ه ﴿الظالمون﴾ ه ﴿حنيفاً﴾ ط ﴿المشركين﴾ ه ﴿للعالمين﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿مقام إبراهيم﴾ ج للابتداء بالشرط مع الواو لأن الأمن من الآيات ﴿آمنا﴾ ط ﴿سبيلا﴾ ط ﴿العالمين﴾ ه ﴿بآيات الله﴾ ط قد قيل : والوجه الوصل لأن الواو للحال ﴿تعملون﴾ ه ﴿شهداء﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿كافرين﴾ ه ﴿رسوله﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿مستقيم﴾ ه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى