الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
فإن قلت :﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ما موقع هاتين الجملتين ؟ قلت : هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان. فسر بهما جواب القسم الذي هو قوله تعالى :﴿إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةٍ مباركة﴾ [الدخان: ٣] كأنه قيل : أنزلنا ؛ لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصاً ؛ لأنّ إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم. والمباركة : الكثيرة الخير لما يتيح الله فيها من الأمور التي يتعلق بها منافع العباد في دينهم ودنياهم، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة.
ومعنى ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم منها إلى الأخرى القابلة. وقيل : يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة، ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وعن بعضهم : يعطى كل عامل بركات أعماله، فيلقى على ألسنة الخلق مدحه، وعلى قلوبهم هيبته. وقرىء «يفرق » بالتشديد و ﴿يُفْرَقُ﴾ كل على بنائه للفاعل ونصب كل، والفارق : الله عزّ وجلّ، وقرأ زيد بن عليّ رضي الله عنه «نفرق » بالنون، ﴿كل أمر حكيم﴾ : كل شأن ذي حكمة، أي : مفعول على ما تقتضيه الحكمة، وهو من الإسناد المجازى ؛ لأنّ الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة، ووصف الأمر به مجاز.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى