الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
والضميرُ في " إنَّه لحقٌّ " : إمَّا للقرآنِ، وإمَّا للدينِ، وإمَّا لليوم في قولِه :﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] ﴿يَوْمَ هُم﴾ [الذاريات: ١٣] ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] وإمَّا للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
قوله ﴿مِثْلَ مَا﴾ الأخَوان وأبو بكر " مثلُ " بالرفع، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها : أنه خبرٌ ثانٍ مستقلٌّ كالأولِ. والثاني : أنه مع ما قبله خبرٌ واحدٌ نحو : هذا حُلْوٌ حامِضٌ، نقلهما أبو البقاء. والثالث : أنَّه نعتٌ ل " حق " و " ما " مزيدةٌ على ثلاثةِ الأوجهِ. و " أنَّكم " مضافٌ إليه أي : لَحَقٌّ مثلُ نُطْقِكم. ولا يَضُرُّ تقديرُ إضافتِها لمعرفةٍ لأنها لا تتعر‍َّفُ بذلك لإِبهامِها.
والباقون بالنصبِ وفيه أوجهٌ، أشهرُها : أنه نعتٌ ل " حَقٌّ " كما في القراءةِ الأولى، وإنما بُنِي الاسم لإِضافتِه إلى غيرِ متمكنٍ، كما بناه الآخرُ في قولِه :
فتَداعَى مَنْخِراه بدَمٍمثلَ ما أثمرَ حَمَّاضُ الجَبَلْ
بفتح " مثلَ " مع أنها نعتٌ ل " دم " وكما بُنِيَتْ " غيرَ " في قوله :
لم يَمْنَعِ الشُّرْبَ منها غيرَ أَن نَطَقَتْحمامةٌ في غُصونٍ ذاتِ أَوْقالِ
" غيرَ " فاعلُ " يَمْنع " فبناها على الفتح لإِضافتِها إلى " أنْ نَطَقَتْ " وقد تقدَّم في قراءةِ ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] بالفتحِ ما يُغْني عن تقريرِ مثل هذا.
الثاني : أنَّ " مثلَ " رُكِّب مع " ما " حتى صارا شيئاً واحداً. قال المازني :" ومثلُه : وَيْحَما وهَيَّما وأَيْنَما " وأنشد لحميد بن ثور :
ألا هَيَّما مِمَّا لَقِيْتُ وهَيَّماووَيْحاً لِمَنْ لم يَدْرِ ما هُنَّ وَيْحَما
قال : فلولا البناءُ لكان منوَّناً. وأنشد أيضاً :
٤١٠٨. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** فأكْرِمْ بنا أُمَّاً وأكْرِمْ بنا ابْنَما
وهذا الذي ذكرَه ذهب إليه بعضُ النَّحْويين، وأَنْشد :
أثورَ ما أَصِيْدُكم أم ثورَيْنْأم هذه الجَمَّاءَ ذاتَ القرنَيْنْ
وأمَّا ما أنشدَه مِنْ قولِه :" وأكرِمْ بنا ابنَما " فليس هذا من الباب لأنَّ هذا " ابن " زِيْدَتْ عليه الميم. وإذا زِيْدَتْ عليه الميمُ جُعِلَتِ النونُ تابعةً للميم في الحركاتِ على الفصيح، فتقول : هذا ابنمٌ، ورأيت ابنَماً، ومررت بابنِم، فتُجْري حركاتِ الإِعراب على الميم وتَتْبَعُها النونُ. " وابنما " في البيت منصوبٌ على التمييز، فالفتحُ لأجلِ النصبِ لا للبناءِ، وليس هذه " ما " الزائدةَ، بل الميمُ وحدَها زائدةٌ، والألفُ بدلٌ من التنوين.
الثالث : أنَّه منصوبٌ على الظرفِ، وهو قولُ الكوفيين، ويجيزون " زيدٌ مثلَك " بالفتح. ونقله أبو البقاء عن أبي الحسن، ولكن بعبارةٍ مُشْكِلةٍ فقال :" ويُقْرَأ بالفتح، وفيه وجهان، أحدُهما : هو مُعْرَبٌ. ثم في نصبِه أوجهٌ ". ثم قال :" أو على أنه مرفوعُ الموضعِ، ولكنَّه فُتحَ كما فُتح الظرفُ في قوله :﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] على قولِ الأخفَشِ ". ثم قال :" والوجه الثاني هو مبنيٌّ ". وقال أبو عبيد :" بعضُ العربِ يَجْعَلُ " مثلَ " نصباً أبداً فيقولون : هذا رجلٌ مثلَك ".
الرابع : أنه منصوب على إسقاطِ الجارِّ، وهو كافُ التشبيهِ. وقال الفراء :" العربُ تَنْصِبُها إذا رُفِعَ بها الاسمُ، يعني المبتدأ، فيقولون : مثلَ مَنْ عبدُ الله ؟ وعبدُ الله مثلَك، وأنت مثلَه ؛ لأنَّ الكافَ قد تكونُ داخلةً عليها فتُنْصَبُ إذا أَلْقَيْتَ الكافَ ". قلت : وفي هذا نظرٌ، أيُّ حاجةٍ إلى تقدير دخولِ الكافِ و " مثْل " تفيدُ فائدتَها ؟ وكأنه لمَّا رأى الكافَ قد دخلَتْ عليها في قوله :﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] قال ذلك.
الخامس : أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي : لحَقٌّ حقاً مثلَ نُطْقِكم. السادس : أنه حالٌ من الضميرِ في " لَحَقٌّ " لأنه قد كَثُرَ الوصفُ بهذا المصدرِ، حتى جَرَى مَجْرى الأوصافِ المشتقةِ، والعاملُ فيها " حَقٌّ ". السابع : أنه حالٌ من نفس " حقٌّ " وإن كان نكرةً. وقد نَصَّ سيبويه في مواضع من كتابه على جوازِه، وتابعه أبو عمرَ على ذلك.
و " ما " هذه في مثلِ هذا التركيبِ نحو قولِهم :" هذا حَقٌّ كما أنَّك ههنا " لا يجوز حَذْفُها فلا يُقال :" هذا حَقٌّ كأنَّك هنا ". نَصَّ على ذلك الخليل رحمه الله تعالى فإذا جعلْتَ " مثلَ " معربةً كانت " ما " مزيدةً و " أنكم " في محلِّ خفضٍ بالإِضافةِ كما تقدَّم، وإذا جَعَلْتَها مبنيَّة : إمَّا للتركيب، وإمَّا لإِضافتِها إلى غيرِ متمكِّنٍ جاز في " ما " هذه وجهان الزيادةُ وأَنْ تكونَ نكرةً موصوفةً/ كذا قال أبو البقاء. وفيه نظرٌ لعدم الوصفِ هنا. فإنْ قال : هو محذوفٌ فالأصلُ عَدَمُه. وأيضاً فنصُّوا على أن هذه الصفةَ لا تُحْذَفُ لإِبهامِ موصوفِها، وأمَّا " أنَّكم تَنْطِقون " فيجوز أَنْ يكونَ مجروراً بالإِضافةِ إنْ كانَتْ " ما " مزيدةً، وإنْ كانت نكرةً كان في موضعِ نصبٍ بإِضمارِ أعني أو رفعٍ بإضمار مبتدأ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى