تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
بعد أن أكد الكلام بالقسم ب ﴿الذاريات﴾ [الذاريات: ١] وما عطف عليها فرع على ذلك زيادة تأكيد بالقسم بخالق السماء والأرض على أن ما يوعدون حق فهو عطف على الكلام السابق ومناسبته قوله :﴿وما توعدون﴾ [الذاريات: ٢٢].
وإظهار اسم السماء والأرض دون ذكر ضميرهما لإدخال المهابة في نفوس السامعين بعظمة الربّ سبحانه.
وضمير ﴿إنه لحقّ﴾ عائد إلى ﴿ما توعدون﴾ [الذاريات: ٢٢]. وهذا من ردّ العجز على المصدر لأنه رد على قوله أول السورة ﴿إن ما توعدون لصادق﴾ [الذاريات: ٥] وانتهى الغرض.
وقوله :﴿مثل ما أنكم تنطقون﴾ زيادة تقرير لوقوع ما أوعدوه بأن شبه بشيء معلوم كالضرورة لا امتراء في وقوعه وهو كون المخاطبين ينطقون. وهذا نظير قولهم : كما أن قبلَ اليوم أمس، أو كما أن بعد اليوم غداً. وهو من التمثيل بالأمور المحسوسة، ومنه تمثيل سرعة الوصول لقرب المكان في قول زهير :
فهن ووادِي الرسّ كاليد للفم
وقولهم : مثل ما أنك ها هنا، وقولهم : كما أنك ترى وتسمع.
وقرأ الجمهور ﴿مثلَ﴾ بالنصب على أنه صفة حال محذوف قصد منه التأكيد. والتقدير : إنه لحق حقاً مثل ما أنكم تنطقون. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف مرفوعاً على الصفة ﴿لحق﴾ صفة أريد بها التشبيه.
و ﴿ما﴾ الواقعة بعد ﴿مثل﴾ زائدة للتوكيد. وأردفت ب ( أنَّ ) المفيدة للتأكيد تقوية لتحقيق حقية ما يوعدون.
واجتلب المضارع في ﴿تنطقون﴾ دون أن يقال : نطقكم، يفيد التشبيه بنطقهم المتجدد وهو أقوى في الوقوع لأنه محسوس.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى