التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتوبيخ المشركين على جهلهم وعدم تفكيرهم، وبيَّن ما سيكونون عليه من خزى يوم القيامة، وأمر نبيه - ﷺ - بالصبر على أذاهم. فقال :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ... إِلاَّ القوم الفاسقون﴾.
والهمزة فى قوله :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله...﴾ للاستفهام الإِنكارى، والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام..
أى : بلغ العمى والجهل بهؤلاء الكافرين، أنهم لم يروا ولم يعقلوا أن الله - تعالى - الذى خلق السماوات والأرض بقدرته ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أى : ولم يتعب ولم ينصب بسبب خلقهن، من قولهم عيى فلان بالأمر - كفرح - إذا تعب، أو المعنى : ولم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه، مأخوذ من قولهم : عيى فلان بأمره، إذا تحير ولم يعرف ماذا يفعل.
وقوله :﴿بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾ فى محل رفع خبر ﴿أَن﴾، والباء فى قوله - تعالى - ﴿بِقَادِرٍ﴾ مزيدة للتأكيد.
فالمقصود بالآية الكريمة توبيخ المشركين على جهلهم وانطماس بصائرهم، حيث لم يعرفوا أن الله - تعالى - الذى أوجد الكون، قادر على أن يعيدهم الى الحياة بعد موتهم.
وأورد القرآن ذلك فى أسلوب الاستفهام الإِنكار، ليكون تأنيبهم على جهلهم أشد.
وقوله :﴿بلى إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تقرير وتأكيد لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى، لأن لفظ ﴿بلى﴾ يؤتى به فى الجواب لإِبطال النفى السابق، وتقرير نقيضه، بخلاف لفظ ﴿نعم﴾ فإنه يقرر النفى نفسه.
أى : بل إنه - سبحانه - قادر على إحياء الموتى، لأنه - تعالى - على كل شئ قدير.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى