التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري

عن الكتاب
الربع الثالث من الحزب الثاني والربعين في المصحف الكريم
وفي بداية هذه السورة خاطب الحق سبحانه وتعالى خاتم أنبيائه ورسله، والخطاب يعم كل فرد من أفراد أمته، فأمره بالتقوى، والأمر بتقوى الله لمن هو متلبس بها، بل بأعلى درجاتها - كما هو حال الرسول - أمر بالازدياد منها، والديمومة عليها، كما حذره من كيد الكافرين وخداع المنافقين، حتى لا يركن إليهم إذا تقدموا إليه برأي أو مشورة أو طلب، وما أكثر الحبائل التي نصبوها لدعوته، والحيل التي دبروها لتثبيطه عن أداء رسالته، ودعاه إلى اتباع الوحي الذي ينزل عليه من ربه، والعمل به دون تساهل ولا هوادة، فباتباعه يتحصن من مكر أعداء الله وخداعهم، وينجو من دسائسهم ومؤامراتهم، ثم أمره بعد ذلك بالتوكل على الله، والاعتماد - بعد اتخاذ الأسباب - على تدبير مولاه.
وفي خلال هذه الأوامر والتوجيهات الإلهية اختار كتاب الله جملة من أسماء الله وصفاته، لها علاقة وثيقة بالموضوع، ومناسبة تامة للمقام، ألا وهي اسم ( العليم )، لأن الله هو الذي يعلم حق العلم الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، واسم ( الحكيم ) لأن الله هو الذي يدبر أمر عباده أحكم تدبير، ويضع الأشياء مواضعها دون خلل ولا تقصير، واسم ( الخبير )، لأن الله هو الذي يعلم سرائر الخلق وأسرار الخليقة، على وجه الحقيقة، واسم ( الوكيل ) لأن الله هو الذي يتولى حفظ أوليائه، ويعصمهم من كيد أعدائه، وبهذا التفسير المستطاب، يتضح معنى الآيات الأولى من سورة الأحزاب. قال تعالى :﴿بسم الله الرحمان الرحيم. يا أيها النبي اتق الله، ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليما حكيما( ١ ) واتبع ما يوحى إليك من ربك، إن الله كان بما تعملون خبيرا( ٢ ) وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلا( ٣ )﴾
وقوله تعالى في بداية هذه السورة :﴿يا أيها النبي﴾، كقوله تعالى في سورة الأنفال ( ٦٤ ) :﴿يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾، وقوله في سورة التوبة ( ٧٣ ) وسورة التحريم ( ٩ ) :﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾، هذا أسلوب قرآني خاص، يستعمله كتاب الله عند مناداة رسوله الأعظم، فيناديه :﴿ياأيها النبي﴾أو﴿ياأيها الرسول﴾، تنويها بقدره، وتشريفا لأمره، بينما يقتصر في نداء غيره من الرسل والأنبياء، على مجرد ذكر الأسماء، فيقول مثلا : يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى، يا داود، يا عيسى، وهذا لا ينقص من قدرهم، إذ هم جميعا في أصل النبوة والرسالة سواء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى