تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاببسم الله الرحمن الرحيم
الآية ١ قوله تعالى :﴿يا أيها النبي اتق ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ جائز أمن يكون ظاهر الخطاب، وإن كان لرسول الله ﷺ عاما. ألا ترى أنه قال على إثره :﴿واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا﴾ خاطب به الجماعة، وقد خاطب رسوله في غير آية من القرآن، والمراد به غيره ؟ فعلى ذلك جائز أن يكون هذا كذلك.ويشبه أن يكون المراد بالخطاب أيضا [ هو ](١) خاصة. لكن إن كان ما خاطب به مما يشترك فيه غيره دخل في ذلك الخطاب وفي ذلك النهي.
وإن كان مما يتفرد به من نحو تبليغ الرسالة إليهم وما تضمنته الرسالة(٢)، وإن خاف على نفسه القتل والهلاك، فإن عليه ذلك، لا محالة، كقوله :﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ الآية [المائدة: ٦٧].
وأما أهل التأويل فمما اختلفوا فيه :[ ما ](٣) قال بعضهم : نزلت الآية، وذلك أن نفرا من أهل مكة : أبو سفيان بن حرب /٤٢٣-أ/ وعكرمة بن أبي جهل وأبو الأعور السلمي، وهؤلاء قدموا المدينة، فدخلوا على عبد الله بن أبي رأس المنافقين بعد قتلى أحد، وقد أعطاهم النبي الأمان على أن يكلموه. فقالوا للنبي، وعنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة، وندعك وربك، فشق ذلك على النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ وفيهم نزل [ قوله تعالى ](٤) :﴿ودع أذاهم وتوكل على الله﴾ [الأحزاب: ٤٨].
وفي بعض الروايات قالوا ذلك، وعنده عمر بن الخطاب، فقال : يا رسول الله ائذن فلي في قتلهم، فقال النبي ﷺ، إني قد أعطيتهم الأمان. فإن كان على هذا فالنهي عن نقص العهد والأمان.
وإن كان على الأول فالنهي عن إتباع ما طلبوا منه من رفض آلهتهم والعبادة لها.
وبعضهم يقولون : إن أهل مكة نحو شيبة بن ربيعة وهؤلاء قالوا له : إنا نعطيك يا محمد كذا من المال، ونزوجك كذا كذا امرأة كثيرة المال، فارفضنا وآلهتنا، وإلا قتلك المنافقون : فلان وفلان [ وفلان، وعدوا ](٥) نفرا، فأنزل الله تعالى الآية في ذلك بالنهي عن إتباع ما طلبوا منه، ودعوه إليه، وأمره بالتوكل عليه(٦) في ترك الإتباع لهم.
وأصله ما ذكرنا أن النهي والأمر، وإن كان خاصا(٧) في ما ذكر، فهو، وإن كان معصوما، فالعصمة لا تمنع الأمر والنهي، بل العصمة إنما تنفع إذا كان ثمة نهي وأمر، إذ لولا النهي والأمر لكان لا معنى للعصمة، ولا منفعة لها، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿اتق الله﴾ في ترك تبليغ الرسالة إليهم ﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ في إتباع ما دعوك إليه، وطلبوا منك، أو في غيره ﴿إن الله كان عليما حكيما﴾ :﴿عليما﴾ بما كان، ويكون منهم، أي على علم بما يكون منهم من التكذيب والرد عليك بعثك، لا على جهل ﴿حكيما﴾ في ذلك، أي بعثه إياك إليهم على علم بما يكون منهم من التكذيب والرد، لا يخرجه عن الحكمة، ليس كملوك الأرض : إذا أرسل بعضهم إلى بعض رسالات وهدايا على علم من المرسل أن المبعوث إليه، يرد الرسالة والهدية، يكون سفيها(٨) لأنهم يبعثون، ويرسلون لحاجة أنفسهم ؛ أعني أنفس المرسلين، فإذا أرسلوا على علم منهم بالرد والتكذيب كان ذلك سفها خارجا عن الحكمة.
فأما الله سبحانه، فإنما يرسل الرسل، ويبعثهم لمنفعة أنفسهم وحاجتهم، فعلمه بالرد والتكذيب لا يخرجه عن الحكمة.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: الرسل..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: عدوا..
٦ في الأصل وم: على الله..
٧ في الأصل وم: خاصة..
٨ في الأصل وم: سفها..
٢ في الأصل وم: الرسل..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: عدوا..
٦ في الأصل وم: على الله..
٧ في الأصل وم: خاصة..
٨ في الأصل وم: سفها..