تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٥٢ وقوله تعالى :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ اختلف في قوله :﴿من بعد﴾ :
قال قائلون : من بعد اختيارهن رسول الله والدار الآخرة لأن الله تعالى لما خيرهن بين اختيار [ الدنيا ](١) وزينتها وبين اختيار رسول الله والدار الآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، قصره الله عليهن، فقال :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ أي من بعد اختيارهن المقام معك ﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك﴾.
فإن [ كان ](٢) على هذا فيخرج الحظر والمنع مخرج الجزاء لهن والمكافآت لما اخترنه على الدنيا وما فيها(٣) لئلا يشرك غيرهن في قسمهن منه.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : اشترطنا على رسول الله ﷺ، لما اخترناه والدار الآخرة ألا يتزوج علينا ولا يبدل بنا من أزواج. ثم استثنى ما ملكت يمينه لأنهن لا حظ لهن في القسم.
وقال بعضهم : قوله :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ أي من بعد المسلمات كتابيات لا يهوديات ولا نصرانيات ؛ إلا تتزوج يهودية ولا نصرانية، فتكون من أمهات المؤمنين ﴿إلا ما ملكت يمينك﴾ أي لا بأس أن تشتري اليهودية والنصرانية. فإن كان على هذا ففيه حظر الكتابيات [ على رسول ](٤) الله لما ذكر خاصة.
وأما المؤمنون فإنه أباح لهم نكاح الكتابيات بقوله :﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [المائدة: ٥] فيكون حل الكتابيات للمؤمنين دون النبي بإزاء الزيادة والفضل الذي كان يحل لرسول الله.
وقال بعضهم : قوله :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ أي من بعد المذكورات المحللات له في الآية التي قبل هذه الآية من بنات العم والعمات وبنات الخال والخالات. يقول : لا يحل لك النساء سوى من ذكر أن تتزوجهن عليهن، ولا [ تبدل بهن ](٥) ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لا يحل لك﴾ [ في الخلق ](٦) أن تتزوج عليهن بعد اختيارهن لك والدار الآخرة على الدنيا وما فيها من الزينة.
[ ويحتمل ](٧) أن يكون على التحريم نفسه في الحكم. وليس لنا أن نفسر أي تحريم أراد : تحريم الحظر والمنع في الخلق أو تحريم الحكم لأن ذلك كان لرسول الله ﷺ، وقد كان عرفه أنه ما أراد بذلك، والاشتغال به فضل.
والتبديل بهن يحتمل في التطليق ؛ يطلقهن، فيتزوج غيرهن، ويحتمل بالموت إذا متن أيضا. لم يحل له أن ينكح غيرهن [ بالتطليق أو الموت ](٨) والله أعلم.
قال أبو عوسجة :﴿ترجي من تشاء منهن﴾ أي تحبس من تشاء منهن، ولا تقربها.
وقال القتبي : ترجي أي تؤخر، يقال : أرجيت الأمر، وأرجأته، أي أخرته، وكذلك قالوا في قوله تعالى :﴿أرجه وأخاه﴾ [الأعراف: ١١١] وقال بعضهم : احبسه، وقال بعضهم : أخره، وقوله :﴿وتأوي إليك﴾ أي تضم.
وقوله تعالى :﴿وكان الله على كل شيء رقيبا﴾ أي حفيظا. وقيل : شاهدا.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: قبلها..
٤ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: لرسول..
٥ في م: تبديلهن..
٦ ساقطة من م..
٧ في الأصل وم: أو..
٨ ساقطة من الأصل وم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى