لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن

عن الكتاب
قوله عز وجل ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ يعني من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه، عليهم ووجوب طاعته وقال ابن عباس إذا دعاهم النبي ﷺ ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي ﷺ أولى بهم من طاعة أنفسهم، وهذا صحيح لأن أنفسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، ورسول الله ﷺ يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم، وقيل هو أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه، وقيل كان النبي ﷺ يخرج إلى الجهاد فيقول قوم نذهب فنستأذن من آبائنا وأمهاتنا، فنزل الآية. ( ق ) عن أبي هريرة قال إن رسول الله ﷺ قال « ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، واقرؤوا إن شئتم ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ فأيما مؤمن ترك مالاً فلترثه عصبته من كانوا ومن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه ». عصبة الميت من يرثه سوى من له فرض مقدر وقوله أو ضياعاً أي عيالاً وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعاً، وإن كسرت الضاد كان جمع ضائع.
قوله تعالى ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ يعني أمهات المؤمنين في تعظيم الحرمة وتحريم نكاحهن على التأبيد لا في النظر إليهن والخلوة بهن، فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب ولا يقال لبناتهن هن أخوات المؤمنين ولا لإخوانهن وأخواتهن هن أخوال المؤمنين وخالاتهم. قال الشافعي تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر وهي أخت عائشة أم المؤمنين ولم يقل هي خالة المؤمنين، وقيل إن أزواج النبي ﷺ كن أمهات المؤمنين والمؤمنات الرجال والنساء وقيل كن أمهات الرجال دون النساء، بدليل ما روي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة يا أمه. فقالت لست لك بأم أنا أم رجالكم. فبان بذلك أن معنى الأمومة إنما هو تحريم نكاحهن ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ يعني في الميراث قيل كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وقيل آخى رسول الله ﷺ بين الناس فكان يواخي بين الرجلين فإذا مات أحدهما ورثه الآخر دون عصبته، حتى نزلت ﴿وأولي الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ وقيل في معنى الآية لا توارث بين المسلم والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر ﴿في كتاب الله﴾ أي في حكم الله ﴿من المؤمنين﴾ الذين آخى رسول الله صلى الله عليه سلم بينهم ﴿والمهاجرين﴾ يعني أن ذوي القرابات أولى بعضهم ببعض فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة وصارت الموارثة بينهم بالقرابة ﴿إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً﴾ يعني الوصية للذين يتولونه من المعاقدين، وذلك أن الله تعالى لما نسخ التوارث بالخلف والإخاء والهجرة، أباح أن يوصي لمن يتولاه بما أحب من ثلث ماله، وقيل أراد بالمعروف النصر وحفظ الحرمة بحق الإيمان والهجرة، وقيل معناه إلا أن توصوا إلى قرابتكم بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة ﴿كان ذلك﴾ أي الذي ذكر من أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴿في الكتاب﴾ أي في اللوح المحفوظ وقيل في التوراة ﴿مسطوراً﴾ أي مكتوباً مثبتاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى