اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً ﷺ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل : كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم ؛ لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى :﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: ٤١]، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله :﴿لَنَسْفَعاً﴾، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً اتباعاً للوقف.
وروي(١) عن أبي عمرو :«لَنَسْفَعَنَّ » بالنون الثقيلة.
والسَّفع : الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال : سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب :[ الكامل ]
٥٢٥٧- قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُمما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ(٢)
وقيل : هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب : السَّفع : الأخذ بسفعة الفرس، أي : بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي : سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب. وقيل للصقر : أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث :«فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ »(٣).
وقيل : هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال :[ الكامل ]
٥٢٥٨- أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ(٤)
قال القرطبيُّ(٥) : السفع الضرب، أي : ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي : يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود(٦) :«لأسفعن »، أي : يقول الله تعالى : يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى :﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٦٢] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: ٤]، والناصية : شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
١ ينظر: المحرر الوجيز (٥/٥٠٣)، والبحر المحيط (٨/٤٩١)، والدر المصون (٦/٥٤٧)..
٢ ينظر ديوانه (١٤٥)، والكشاف (٤/٧٧٨)، واللسان (سفع) والقرطبي ٢٠/٨٥، والبحر ٨/٤٨٧، والدر المصون ٦/٤٧..
٣ أخرجه مسلم (٣/٤٣٩ – نووي) كتاب: صلاة العيدين، باب: (١) حديث (٤) من حديث جابر..
٤ ينظر القرطبي ٢٠/٨٥..
٥ الجامع لأحكام القرآن ٢٠/٨٥..
٦ ينظر: الكشاف ٤/٧٧٨، والمحرر الوجيز ٥/٥٠٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى