التفسير المظهري — المظهري

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق ١﴾ أمر بالقراءة، والمفعول محذوف، أي اقرأ القرآن مفتتحا أو متبركا باسم ربك، فهو منصوب على الحال، يعني قل : باسم الله ثم اقرأ القرآن، ويحتمل أن يكون باسم ربك في محل النصب على المفعولية والباء زائدة، يعني : اقرأ اسم ربك، ولم يقل اسم الله ؛ لأن الله علم لذات الواجب ولا سبيل إلى معرفة الذات إلا بالتفكير في الآثار والصفات، وأظهر الصفات بالنسبة إلينا صفة الخلق والتربية التي تنبه على التحول أحوال الممكنات الدال على حدوث العالم الموصل إلى العلم بالمحدث القديم المنزه عن شوائب النقص والزوال، واحتمال التحول عن حال إلى حال، وفيه إشارة إلى أن الصوفي يلتزم أولا على ذكر الاسم لكي يهتدي به إلى المسمى، لكن الصوفية اختاروا من الأسماء اسم الذات لأن سلوك الطريقة يكون بعد الإيمان المجازي بذات الواجب، فالأول في حقه اسم الذات لاستجماعه في الدلالة على الصفات كلها ولو إجمالا، ولكونه أقرب من الذات والمقصود هو الذات، وقال الطيبي : هذا أمر بإيجاد القراءة مطلقا، وهو لا يختص بمفرد دون مفرد، فهو بمنزلة اللام، والباء للاستعانة، والجملة في جواب قوله صلى الله عليه وسلم : ما أنا بقارئ، والمعنى قاريا لا بقوتك ومعرفتك بل بإعانة ربك وقوته، لفظة اسم على هذا مقحم كما في قوله تعالى :﴿سبِّح باسم ربك﴾ ﴿الذي خلق﴾ صفة موضحة للرب فإن الربوبية يقتضي الخلق والتربية من النقصان إلى الكمال، وحذف مفعول خلق للدلالة على التعميم، أي خلق كل شيء ومن جملة ما خلق القدرة على القراءة، ونزل خلق منزلة اللازم يعني الذي له صفة الخلق والتكوين، ولا يمكن اتصاف أحد غيره بتلك الصفة ﴿خلق الإنسان﴾ الظاهر أنه جملة مستأنفة كأنه في جواب سؤال ما خلق ؟ وإنما خص الإنسان بالذكر بوجوه : أحدها أنه أشمل المخلوقات أجزاء، فإن كل ما هو في العالم الكبير فهو ثابت فيه، ولذا سمي عالما صغيرا، فالحكم بأنه خلق الإنسان حكم بخلق كل شيء من عوامل الخلق والأمر. ثانيها أنه أشرف المخلوقات، مستعد لتجليات الصفات والذات، أولي بالمعرفة التي هي المقصود بخلق الكائنات قال الله تعالى :﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ٥٦﴾(١) أي ليعرفون، وفي الحديث القدسي ( لولاك لما خلقت الأفلاك )(٢) ولما أظهرت الربوبية خص النبي صلى الله عليه وسلم ههنا بالذكر لكونه أكمل أفراد الناس معرفة، وفي الحديث ( كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ) فخص الإنسان في هذه الآية بالذكر إظهارا لشرفه، وبيانا لأن المقصود بالخلق، وثالثها أنه هو المخاطب بالشرائع والمكلف بالتكليفات الشرعية أولا، وأنه أعرف بحاله من حال غيره، فاستدلاله على الصانع بانقلابات أحواله أولى وأقرب لحصول المعرفة، ويجوز أن يكون المحذوف من الجملة الأولى كاف الخطاب، أي الذي خلقك، الجملة الثانية مستأنفة في جواب سؤال مقدر وهو من أي شيء خلقه ؟ قال الله تعالى :﴿خلق الإنسان﴾.
١ سورة الذاريات، الآية: ٥٦..
٢ قال الصنعاني: موضوع، وأقول لكن معناه صحيح وإن لم يكن حديثا. انظر كشف الخفاء (٢١٢٣)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى