فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
هذا بيان نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم، والحجر بكسر أوّله وسكون ثانيه في قراءة الجمهور. وقرأ أبان بن عثمان «حجر » بضم الحاء والجيم، وقرأ الحسن وقتادة بفتح الحاء وإسكان الجيم، وقرأ ابن عباس وابن الزبير «حرج » بتقديم الراء على الجيم، وكذا هو في مصحف أُبيّ، وهو من الحرج، يقال فلان يتحرّج، أي يضيق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه. والحجر على اختلاف القراءات فيه هو مصدر بمعنى اسم المفعول، أي محجور، وأصله المنع، فمعنى الآية : هذه أنعام وحرث ممنوعة، يعنون أنها لأصنامهم، لا يطعمها إلا من يشاءون بزعمهم، وهم خدام الأصنام. والقسم الثاني قولهم :﴿وأنعام حُرّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ وهي البحيرة والسائبة والحام. وقيل : إن هذا القسم الثاني مما جعلوه لآلهتهم أيضاً. والقسم الثالث :﴿أنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا﴾ وهي ما ذبحوا لآلهتهم فإنهم يذبحونها باسم أصنامهم لا باسم الله. وقيل : إن المراد لا يحجون عليها افتراء على الله، أي للافتراء عليه ﴿سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي بافترائهم أو بالذي يفترونه، ويجوز أن يكون افتراء منتصباً على أنه مصدر، أي افتروا افتراء أو حال، أي مفترين، وانتصابه على العلة أظهر، ثم بين الله سبحانه نوعاً آخر من جهالاتهم.
سورة الأنعام
قال الثعلبي : سورة الأنعام مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة وهي ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ إلى آخر ثلاث آيات، و ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ إلى آخر ثلاث آيات. قال ابن عطية : وهي الآيات المحكمات، يعني في هذه السورة. وقال القرطبي : هي مكية إلا آيتين هما ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين، وقوله تعالى :﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات﴾ نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : أنزلت سورة الأنعام بمكة. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عنه، قال : أنزلت سورة الأنعام بمكة ليلاً جملة وحولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفاً من الملائكة. وأخرج ابن مردويه عن أسماء قال : نزلت سورة الأنعام على النبي ﷺ وهو في مسير في زجل من الملائكة. وقد نظموا ما بين السماء والأرض. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد نحوه. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :" نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد " وهو من طريق إبراهيم بن نائلة شيخ الطبراني عن إسماعيل بن عمرو عن يوسف بن عطية بن عون عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ، فذكره. وابن مردويه رواه عن الطبراني عن إسماعيل المذكور به. وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :" نزلت سورة الأنعام ومعها موكب من الملائكة يسد ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، والأرض ترتج، ورسول الله ﷺ يقول : سبحان الله العظيم سبحان الله العظيم ". وأخرج الحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم، والإسماعيلي في معجمه والبيهقي عن جابر قال : لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله ﷺ ثم قال :" لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق ". وأخرج البيهقي وضعفه والخطيب في تاريخه عن علي بن أبي طالب قال : أنزل القرآن خمساً خمساً، ومن حفظه خمساً خمساً لم ينسه، إلا سورة الأنعام فإنها نزلت جملة يشيعها من كل سماء سبعون ملكاً حتى أدوها إلى النبي ﷺ، ما قرئت على عليل إلا شفاه الله. وأخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب مرفوعاً نحو حديث ابن عمر. وأخرج النحاس في تاريخه عن ابن عباس قال : سورة الأنعام نزلت بمكة جملة واحدة، فهي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلن بالمدينة ﴿قل تعالوا أتل ما حرم﴾ إلى تمام الآيات الثلاث. وأخرج الديلمي بسند ضعيف عن أنس مرفوعاً " ينادي مناد : يا قارئ سورة الأنعام هلم إلى الجنة بحبك إياها وتلاوتها ". وأخرج ابن المنذر عن أبي جحيفة قال : نزلت سورة الأنعام جميعها معها سبعون ألف ملك كلها مكية إلا ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة﴾ فإنها مدنية. وأخرج أبو عبيد في فضائله والدارمي في مسنده ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب قال : الأنعام من نواجب القرآن. وأخرج محمد بن نصر عن ابن مسعود مثله. وأخرج السلفي بسند واه عن ابن عباس مرفوعاً :" من قرأ إذا صلى الغداة ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى ﴿ويعلم ما تكسبون﴾ نزل إليه أربعون ألف ملك يكتب له مثل أعمالهم، ونزل إليه ملك من فوق سبع سموات ومعه مرزبة من حديد، فإن أوحى الشيطان في قلبه شيئاً من الشر ضربه ضربة حتى يكون بينه وبينه سبعون حجاباً، فإذا كان يوم القيامة، قال الله تعالى : أنا ربك وأنت عبدي، امش في ظلي واشرب من الكوثر واغتسل من السلسبيل وادخل الجنة بغير حساب ولا عذاب ". وأخرج الديلمي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :" من صلى الفجر في جماعة وقعد في مصلاه وقرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام وكل الله به سبعين ملكاً يسبحون الله ويستغفرون له إلى يوم القيامة ". وفي فضائل هذه السورة روايات عن جماعة من التابعين مرفوعة وغير مرفوعة. قال القرطبي : قال العلماء : هذه السورة أصل في محجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور، وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة، وعليها بنى المتكلمون أصول الدين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى