نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
﴿الحمد﴾ أي الإحاطة(١) بأوصاف الكمال(٢) ﴿لله﴾.
لما ختم سبحانه تلك بتحميد عيسى عليه السلام لجلاله(٣) في ذلك اليوم في ذلك الجمع، ثم تحميد نفسه(٤) المقدسة بشمول الملك والقدرة، إذ الحمد هو الوصف بالجميل ؛ افتتح سبحانه وتعالى هذه السورة(٥) بالإخبار(٦) بأن ذلك الحمد وغيره من المحامد مستحق له استحقاقاً ثابتاً دائماً قبل إيجاد الخلق وبعد إيجاده سواء شكره العباد أو كفروه، لما له سبحانه وتعالى من صفات(٧) الجلال و(٨)الكمال - على ما تقدمت الإشارة إليه في الفاتحة - فأتى بهذه الجملة الاسمية المفتتحة باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أنواعه الدالة على الاستغراق، إما بأن اللام له عند الجمهور، أو بأنها للجنس - كما هو مذهب الزمخشري، ويؤول(٩) إلى مذهب الجمهور، فإن الجنس إذا كان مختصاً به لم يكن(١٠) فردٌ منه لغيره، إذ الجنس لا يوجد إلا ضمن أفراده، فمتى وجد فرد منه لغيره(١١) كان الجنس موجوداً فيه فلم يكن الجنس مختصاً به وقد قلنا : إنه مختص، وهذا التحميد صار(١٢) بوصفه فرداً(١٣) من أفراد تحميد الفاتحة تحقيقاً لكونها(١٤) أمّاً، وعقبها سبحانه بالدليل الشهودي على ما ختم به تلك من الوصف بشمول القدرة بوصفه بقوله :{ الذي خلق ). ولما كان تعدد السماوات ظاهراً بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة والبطوء واستتار(١٥) بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير(١٦) ذلك مما هو محرر عند أهله : جمعها فقال :{ السماوات } أي على علوها وإحكامها، قدمها لما تقدم قريباً(١٧) ﴿والأرض﴾ أي على تحليها(١٨) بالمنافع وانتظامها.
ولما كان في الجعل معنى التضمن(١٩) فلا يقوم المجعول بنفسه قال :﴿وجعل﴾ أي أحدث وأنشأ لمصالحكم ﴿الظلمات﴾ أي الأجرام(٢٠) المتكاثفة كما تقدم(٢١) ﴿والنور﴾ وجمع(٢٢) الأول تنبيهاً على أن طرق الشر والهلاك كثيرة تدور على الهوى، وقد تقرر بهذا ما افتتح به السورة، لأن من تفرد باختراع الأشياء كان هو المختص بجميع المحامد، ومن اختص بجميع المحامد لم يكن إله سواه ولم يكن له شريك، لا ثاني اثنين ولا ثالث ثلاثة ولا غير ذلك، وما أحسن ختمها - بعد الإشارة إلى هذه المقاصد المبعدة لأن يكفر به أو يعدل به شيء - بقوله :﴿ثم الذين كفروا﴾ أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من أدلة وحدانيته التي لا خفاء بها عن أحد جرّد نفسه من الهوى، وعالج أدواءه بأنفع دواء، لإحاطته بجميع صفات الكمال، وزاد الأمر تقبيحاً عليهم بإبدال(٢٣) ما كان الأصل في الكلام من الضمير(٢٤) بقوله :﴿بربهم﴾ أي المحسن إليهم الذي لم يروا إحساناً إلا منه ﴿يعدلون﴾ أي يجعلون غيره ممن لا يقدر على شيء معادلاً له مع(٢٥) معرفتهم به(٢٦) بأنه الذي أبدع الأشياء، كفراً لنعمته وبُعداً من رحمته، فبعضهم عدل به بعض الجواهر من خلقه من السماء كالنجوم، أو من الأرض كالأصنام، أو بعض ما ينشأ عن بعض خلقه من الأعراض وهو خلقه كالنور والظلمة، والحال أن تقلباتهما(٢٧) تدل بأدنى(٢٨) النظر على أمرين : الأول بُعدهما عن الصلاحية للإلهية لتغيرهما﴿قال(٢٩) لا أحب الآفلين﴾[الأنعام: ٧٦]، والثاني قدرة خالقهما ومغيرهما على البعث(٣٠) لإيجاد كل منهما بعد إعدامه كما هو شأن البعث - إلى غير ذلك من الأسرار التي تدق عن(٣١) الأفكار، وتقديمُ الظلمة مناسب لسياق العادلين، والتعبير بثم للتنبيه(٣٢) على ما(٣٣) كان ينبغي لكل راءٍ(٣٤) لهذا الخلق من الإبعاد عن الكفر لبعده عن الصواب، فقد لاح أن(٣٥) مقصد السورة الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب الذي تبين أنه الهدى من توحيد الله والاجتماع عليه والوفاء بعهوده بأنه سبحانه وحده الخالق الحائز لجميع الكمالات من القدرة على البعث وغيره، وما أنسب ذلك بختم المائدة بذكر يوم الجمع وأن لِمَلِكِه(٣٦) جميع الملك، وهو على كل شيء قدير، وهذه السورة أول السور الأربع(٣٧) المشيرة إلى جميع النعم المندرجة تحت(٣٨) النعم الأربع(٣٩) التي اشتملت عليها الفاتحة، وكل سورة منها(٤٠) مشيرة إلى نعمة من النعم الأربع(٤١)، فقوله(٤٢) :﴿خلق السماوات والأرض﴾ - الآية ثم ﴿خلقكم من طين﴾ ثم(٤٣)﴿وما من دابة في الأرض﴾[الأنعام: ٣٨] - الآية، متكفل(٤٤) بتفصيل نعمة الإيجاد الأول لجميع العالمين من السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من آدمي وغيره المشار إليه في الفاتحة برب العالمين كما تقدم.
ولما تكفلت السور(٤٥) المتقدمة بالرد على مشركي(٤٦) العرب واليهود والنصارى مع الإشارة إلى إبطال جميع أنواع الشرك، سيق مقصود هذه السورة في أساليب متكفلة بالرد على بقية الفرق، وهم الثنوية(٤٧) من المجوس القائلون(٤٨) بإلهين اثنين وبأصلين :(٤٩)النور والظلمة، ويقرون بنبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقط، والصابئة القائلون بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية متوسطين إلى رب الأرباب، وينكرون الرسالة في الصورة البشرية، وأصحاب الروحانيات، أعني مدبرات الكواكب والأفلاك، وينتسبون(٥٠) إلى ملة إبراهيم عليه السلام، ويدعون أنه منهم - وقد أعاذه الله من ذلك، والسُّمْنية(٥١) القائلون بإلهية الشمس، مع تأكيد الرد على الفرق المتقدمة على أن جميع فرقهم يجتمعون في اعتبار النجوم، يتبين ذلك لمن نظر في كتب فتوح بلاد الفرس في أيام الصديق والفاروق رضي الله عنهما، وقال تنكلوشا(٥٢) البابلي في أول كتابه في أحكام الدرج(٥٣) الفلكية : إن القدماء من الكسدانيين استنبطوا غوامض أسرار الفلك، وكان عندهم أجل العلوم ولم يكونوا يظهرون علم الفلك لكل الناس، بل كانوا يخفون أكثره عن عامتهم، ويعطونهم منه(٥٤) بمقدار ما يصلح، ويتدارسون الباقي بينهم مطوياً(٥٥) بين علمائهم(٥٦) وحكمائهم(٥٧)، ثم ذكر تقسيمهم درج الفلك على ثلاثمائة وستين، ثم قال : وقسموا الدرج أقساماً كثيرة حتى قالوا : إن بعضها ذكور(٥٨) وبعضها إناث، وبعضها مسعدة وبعضها منحسة، ثم قال : كل ذلك يريدون فيه الدلالة منها على ما تدل عليه في عالمنا وعلى أحوالنا حتى جعلوا لكل درجة عالماً وخلقاً(٥٩) منفرداً بمدته(٦٠)، وأن ذلك العالم والخلق يندرسون وينشأ بعدهم غيرهم - إلى غير ذلك من الكلام الذي يرجع إلى اعتقاد تأثير النجوم بنفسها - تعالى الله عن أن يكون له شريك أو يكون له(٦١) كفواً أحد.
١ في ظ : بالأوصاف الكاملة..
٢ في ظ: بالأوصاف الكاملة..
٣ في ظ: الجلاله..
٤ زيد في الأصل : ثم تحمده لنفسه، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها..
٥ سقط من ظ..
٦ في ظ: الإخبار..
٧ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٨ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٩ من ظ، وفي الأصل: موول- كذا..
١٠ في ظ: فلم يكن.
.

١١ سقط من ظ..
١٢ في ظ: سا- كذا..
١٣ في ظ: فرد..
١٤ في ظ: لكونه..
١٥ من ظ، وفي الأصل: استار..
١٦ سقط من ظ..
١٧ زيد من ظ..
١٨ في ظ: تخللها..
١٩ في ظ: التضمين..
٢٠ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٢١ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٢٢ من ظ، وفي الأصل: جعل.
٢٣ في ظ: يدل..
٢٤ من ظ، وفي الأصل: الضم..
٢٥ سقط من ظ..
٢٦ سقط من ظ..
٢٧ من ظ. وفي الأصل: تقلباتها..
٢٨ من ظ، وفي الأصل: باداني..
٢٩ من القرآن الكريم آية ٧٦، وفي الأصل و ظ: أنى..
٣٠ من ظ، وفي الأصل: البعض..
٣١ في ظ: على..
٣٢ من ظ، في الأصل: عليها..
٣٣ من ظ، وفي الأصل: عليها..
٣٤ في ظ: واحد..
٣٥ سقط من ظ..
٣٦ في ظ: الملكة- كذا..
٣٧ من ظ، وفي الأصل: الأربعة..
٣٨ في ظ: الأربع النعم..
٣٩ في ظ: الأربع النعم..
٤٠ سقط من ظ..
٤١ سقط من ظ..
٤٢ في ظ: بقوله..
٤٣ سقط من ظ..
٤٤ في ظ تنكفل..
٤٥ في ظ: السورة..
٤٦ من ظ، وفي الأصل: مشرك..
٤٧ وقع في الأصل: الثريه، وفي ظ: بالثوية- كذا، والتصحيح من كتاب البدء والتاريخ ٤/ حيث ذكر أديان من قال باثنين أو بأكثر. ٢٤.
٤٨ في ظ: القائلين..
٤٩ زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ فحذفناها..
٥٠ في ظ: ينسبون..
٥١ في ظ: الشمسية، والصواب ما في الأصل-راجع البدء والتاريخ..
٥٢ في ظ: تنكلويا- كذا..
٥٣ من ظ، وفي الأصل: المدارج، وسمي هذا الكتاب في كشف الظنون ١/٧٤٠: درج الفلك- في الأحكام..
٥٤ سقط من ظ..
٥٥ في ظ: مطلوبا..
٥٦ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٥٧ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٥٨ في ظ: ذكورا..
٥٩ من ظ، وفي الأصل: فتفرد بعدته..
٦٠ من ظ، وفي الأصل: فتفرد بعدته..
٦١ سقط من ظ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى