اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قَالَ كَعْبُ الأحْبارِ - رضي الله عنه - : هذه الآية [ الكريمة ](١) أوَّلُ آية في التوراة(٢)، وآخرُ آية في التوراة(٣) قوله تعالى :
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾
[الإسراء: ١١١] الآية الكريمة(٤).
قال ابنُ عَبَّاس(٥) - رضي الله عنهما - : فَتَحَ اللَّهُ بالحَمْدِ(٦)، فقال :﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، وخَتَمَهُمْ بالحَمْدِ، فقال :" وقَضَى بَيْنهُمْ بالحقِّ "، وقيل :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[الزمر: ٧٥].
فقوله :" الحمدُ لِلَّهِ " فحمدَ اللَّهُ نَفْسَهُ تعليماً لعباده، أي : احمدوا اللَّهَ الذي خَلَقَ السماوات والأرْضَ خصهما بالذِّكر ؛ لأنَّهما أعْظَمُ المَخْلُوقََات فيما يرى العِبَادُ، وفيهما العبرةُ والمنافعُ للعباد.
واعلم أنَّ المَدْحَ أعَمُّ من الحَمْدِ، والحَمْدُ أعَمُّ من الشكرِ ؛ لأنَّ المْدْحَ يَحْصُلُ للعاقلِ وغيرِ العاقلِ، فكما يُمْدَحُ الرَّجُلُ العاقلُ بفضله، كذلِك يُمْدَحُ اللُّؤلُؤُ لحُسْنِ شَكْلِهِ، ولَطَافَةِ خِلْقَتِهِ، ويُمْدَحُ اليَاقُوتُ لِصَفَائهِ وصَقَالتِهِ.
وأمَّا الحمْدُ فلا يحصلُ إلاَّ للفاعل المُخْتَارِ على ما يَصْدُرُ عنه من الإنعام، وإنَّما كونُ الحَمْدِ أعم من الشُّكْر ؛ فلأنَّ الحَمْد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام، سواء كان ذلك الإنعام واصلاً إليك أو إلى غيرك.
وأمَّا الشُّكْرُ فهو عِبَارةٌ عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليكَ، وإذا عُرِفَ ذلك، فإنَّمَا لَمْ يَقُلْ : المَدْحُ لله تبارك وتعالى لأنَّا بَيَّنَّا أنَّ المَدحَ كما يَحْصُلُ للفاعل المختار، فقد يَحْصُلُ لغيره.
وأمَّا الحَمْدُ فلا يَحْصُلُ إلا للفاعل المختار، وإنَّما لم يَقُلْ :" الشُّكر لِلَّهِ " لِمَا بَيَّنَّا أنَّ الشُّكْرَ عبارة عن تعظيم بسبب إنعام صدر منه، فيكون المطلوب الأصلي، وقبول النعمة إليه، وهذه دَرَجَةٌ حقيرةٌ.
وقوله :" الحَمْدُ لِلَّهِ " يَدُلُّ على أنَّ العَبْدَ حَمَدَهُ لأجل كونه مستحقاً للحمدِ، لا لخصوص كونه -تعالى- أوْصَلَ النِّعْمَةَ إليه فَيَكُونُ الإخلاصُ.

فصل في بيان لفظ الحمد


قوله :" الحَمْدُ " لفظٌ مفردٌ محلًّى بالألف واللام، فيفيد أنَّ هذه الماهية للهِ، وذلك يَمْنَعُ من ثبوت الحَمْدِ لغير اللهِ، وهذا يقتضي أنَّ جميع أقْسَامِ الحَمْدِ والثناء والتعظيم ليس إلاَّ للَّهِ تبارك وتعالى، فإن قيل : إنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ(٧) واجب مِثلَ شُكْرِ الأسْتَاذِ على تعليمه، وشُكرِ السلطانِ على عَدْلِه، وشكر المُحْسِن على إحسانه، قال عليه الصلاة والسلام :" مَنْ لم يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ " فالجوابُ(٨) أنَّ المَحْمُودَ والمَشْكُورَ في الحقيقة هو اللَّهُ تعالى ؛ لأنَّ صدور الإحسان من [ قلب ](٩) العَبْدِ يتوقف على حُصُول داعية الإحسان في قلب العبد، وحصول تلك الدَّاعية في القلب ليس من العَبْدِ، وإلاَّ لافْتَقَرَ في حصولها إلى داعيةٍ أخْرَى، ولَزِمَ التَّسلسُلُ، بل حصولها ليس إلاَّ من اللَّهِ تعالى، فتلك الدَّاعِيةُ عند حصولها يجب الفعلِ، وعند زوالها يَمْتَنِعُ الفِعْلُ فيكون المحسنُ في الحقيقة لَيْسَ إلاَّ اللَّه تبارك وتعالى، فيكون المُسْتَحِقُّ لكُلِّ حَمْدٍ في الحقيقةِ هو اللَّه تعالى(١٠).
وأيضاً فإنَّ إحْسَانَ العَبْدِ إلى الغَيْرِ لا يَكْمُلُ إلاَّ بواسطة إحْسَانِ اللهِ تعالى ؛ لأنَّه لولا أنَّ اللَّهَ -تعالى- خَلَقَ أنواع النِّعَمِ، وإلاَّ لم يقدر الإنسانُ على إيصالِ تلك الحِنْطَةِ والفواكه إلى الغَيْرِ، فظهر أنَّه لا محسن في الحقيقة إلاَّ اللَّهُ تعالى، ولا مُسْتَحِقَّ للحمد في الحقيقة إلا الله، فلهذا قال :" الحمد لله ".

فصل في بيان قوله :" الحمد لله " بالألف واللام


وإنَّما قال :" الحَمْدُ للَّهِ " ولم يقل : أحْمَدُ اللَّهَ ؛ لأنَّ الحَمْدَ صفةُ القلب، فرُبَّمَا احْتَاجَ الإنسان إلى أن يذكر هذه اللَّفْظَة حال كونه غافلاً عند اسْتِحْضَارِ معنى الحَمْدِ، فلو قال وقت غَفْلَتِهِ : أحْمَدُ الله [ تبارك وتعالى ] كان كَاذِباً، واسْتَحقَّ عليه الذَّنْب والعِقَاب حيثُ أخبر عن وجود شيءٍ لم يُوجَدْ، فإذا قال : الحَمْدُ لله، فمعناه أنَّ ماهيَّةَ الحَمْدِ مُسْتَحِقَّةٌ لِلَّهِ عزَّ وجلَّ، وهذا حقٌّ وصدقٌ، سواء كان معنى الحَمْدِ حَاضراً في قَلْبِهِ، أو لم يَكُنْ، وكان الكلام عِبَادَةً شَرِيفةً وطاعةً، وظَهرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعلمُ(١١).

فصل


هذه الكلمة مذكورة(١٢) في أوائل خَمْسَةٍ، أوَّلهَا سورةُ " الفاتحة "
﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢].
وثانيها : هذه السورة ﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] والأول أعَمُّ، لأنَّ العالمَ عبارةٌ عن كل موجود سوى اللَّه تعالى.
وقوله :﴿الْحَمْدُُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ لا يَدْخُلُ فيه إلاَّ خَلْقُ السماوات والأرض، والظُّلُمَات والنور، ولا يدخل فيه سَائِرُ الكائنات، فكان هذا بَعْض الأقسام الداخلة تحت التَّحْمِيدِ المذكور في سورة " الفاتحة ".
وثالثها : سورةُ الكَهْفِ :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾
[الكهف: ١].
وهذا أيضاً تحميدٌ مخصوصٌ بنوع خاصٍ من النعمة وهي نعمة العلم والمعرفَةِ والهِدايَةِ والقرآن، وبالجملة النعمُ الحاصلةٌ بِسَبَب بَعْثَةِ الرُّسُلِ عليهم الصلاة والسلام.
ورابعها : سورة " سبأ " :﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [ الآية : ١ ].
وهذا أيضاً تحميدٌ على كَوْنِهِ مَالِكاً لِكُلِّ ما في السماوات والأرضِ، وهو قِسْمٌ من الأقسام الدَّاخِلَةِ في قوله :﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وخامسها : سورةُ " فاطر " ﴿الْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾
[ الآية : ١ ].
وهو أيضاً قِسْمٌ من الأقسام الدَّاخِلَةِ تحتَ قوله تبارك وتعالى :
﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فإن قيل : ما الفرقُ بين الخالق وبين الفاطرِ والرَّبِّ ؟ وأيضاً لم قال هَاهُنا :" خَلَق السماوات والأرْضَ " بصيغة فعل الماضي، وقال في سورة " فاطر " :" الحَمْدُ للَّهِ فاطر السماوات " بصيغة اسم الفاعل ؟.
فالجواب عن الأول، أنَّ الخَلْقَ عبارة عن التَّقديرِ، وهو في حقِّ الله -تعالى- عبارةٌ عن علمه النَّافِذِ في جميع الكُلِّيات والجزئيات، وأمَّا كونُه فاطراً فهو عبارةٌ عن الإيجاد والإبداع، فكونه تعالى خالقاً إشارة إلى صفة العلم، وكونه فاطراً إشارة إلى صفة القدرة، وكونه تعالى رَبًّا ومُرَبياً مُشْتَمِلاً على الأمْرَيْنِ فكان ذلك أكمل.
وأمَّا الجَوابُ عن الثَّاني، فالحق أن الخَلْقَ عبارة عن التَّقدير، وهو في حقِّ الله -تعالى- عبارةٌ عن علمه بالمَعْلُومَاتِ، والعلم بالشيء يصحُّ تقدُّمُهُ على وجود المَعْلُومِ ؛ لأنه لا يمكن أن يعلم الشيء قَبَلَ وجوده، وأمَّا إيجادُ الشيء، فإنَّه لا يَحْصُل إلاَّ حالَ وجوده(١٣).

فصل في قوله :" الحمد لله "


قوله :" الحَمْدُ للَّهِ " فيه قولان :
الأول : المرادُ احْمَدُوا اللَّهَ، وإنَّما جاء على صِفَةِ الخَبَرِ لوجوه :
أحدها : أن قوله :" الحَمْدُ للَّهِ " يفيد تَعْظِيم(١٤) اللفظ والمعنى، ولو قال :" احمدوا " لم يحصل مجموع هاتين الفَائدتَيْنِ.
وثانيها : أنه يُفيدُ كونه -تعالى- مُسْتحقّاً للحَمْدِ سَوَاءً حَمِدَهُ حَامدٌ أو لم يَحْمَدْهُ.
وثالثها : أنَّ المَقْصُودَ منه ذِكْرُ الحُجَّة فَذكْرُهُ بصيغة الخَبَرِ أوْلَى.
والقول الثاني : أن المراد منه تعليم العِبَادِ، وهو قولُ أكثره المفسرين.
قوله :﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ فيه ثلاث سؤالات(١٥) :
السؤال الأول : قوله :﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ جار مجرى قولك :" جاءني الرَّجُلُ الفَقِيهُ " فإن هذا يدلُّ على وجود رَجُلٍ آخر ليس بفقيه، وإلاَّ لم يكن لِذِكْرِ ذلك فَائِدةٌ، وكذا هاهنا قوله :﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ يوهم أن هناك إلهاً لم يَخْلُق السماوات والأرض، وإلاَّ فأيُّ فائدة(١٦) في ذِكْرِ هذه الصِّفَةِ.
والجواب : أنا بَيَّنَّا أن قوله :" الله " جِارٍ مجرى اسم العلم، فإذا ذكر الوصف لاسم العلم لم يكن المقصود من ذكر الوَصْفِ التمييز، بل تعريف كون ذلك المُسَمَّى مَوْصُوفاً بتلك الصِّفَةِ.
مثاله : إذا قلنا : الرَّجُلُ اسمٌ للمَاهِيَّةِ، فيتناول الأشخاص الكثيرين، فكان المقصود هاهنا من ذِكر الوصفِ تَمْييز هذا الرجل عن سَائِرِ الرجال بهذه الصفة.
أمَّا إذا قلنا : زيدٌ العالم، فلفظُ " زيد " اسم عَلَمٍ، وهو لا يُفيد إلا(١٧) هذه الذَّات المُعَيَّنَة ؛ لأنَّ أسماء الأعلام قائمة مَقَامَ الإشَارَاتِ، فإذا وَصَفْنَاهُ بالعلمية(١٨) امتنع أنْ يكون المقصودُ منه تَمْييز ذلك الشخص عن غيره، بل المقصود منه تعريف كون ذلك المُسمى مَوْصُوفاً بهذه الصفة ولما كان لفظ " الله " من باب أسماء الأعلام لا جَرَم كان الأمر على ما ذكرناه.
السؤال الثاني : لم قَدَّمَ " السَّمَاء " على " الأرضِ " مع أنَّ ظاهر التنزيل(١٩) يَدُلُّ على أنَّ خَلْقَ الأرْضِ مُقدَّمٌ على خَلْقِ السماءِ.
فالجواب : أنَّ السَّمَاءَ كالدَّائرة، والأرْض كالمركز، وحُصُولُ الدَّائرة يوجبُ تعيين المَرْكَزِ، ولا يَنْعَكِسُ، فإنَّ حصول المَرْكَزِ لا يوجبُ تعيين الدَّائرةِ لإمْكَانِ أنْ يُحيطَ بالمركز الوَاحِدِ دَوَائِرُ لا نهاية لها، فلمَّا تَقَدَّمت السماءُ على الأرضِ بهذا الاعتبارِ، وجب تقديم ذِكْرِ السماءِ على الأرض، وعلى قول من قالَ : إنَّ السماوات مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ الأرضِ، وهو قول قتادَةَ، فالسُّؤال زائدٌ.
السؤال الثالث : لم ذكر السماء بصيغة الجَمْعِ، والأرض بصيغة الواحدِ، مع أنَّ الأرضِينَ أيضاً كثيرةٌ لقوله :
﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ؟.
فالجوابُ : أنَّ السَّماءَ جَارِيَةٌ مجرى الفاعل، والأرض مجرى القابل، فلو كانت السَّمَاءُ واحدةً لتَشَابَهَ الأمرُ، وذلك يخلُّ بمصَالِحِ هذا العَالَمِ، فإذا كانت كثيرةٌ اخْتَلَفَتِ الاتِّصَالاَتُ الكَوْكَبِيَّةُ، فحَصَلَ بسببها الفُصُولُ الأرَبعة، وسائر الأحوال المختلفة، وحَصَلَ بسبب تلك الاختلافات مصالح [ هذا ](٢٠) العالم.
أمَّا الأرض فهي قابلة للأثَرِ، والقَابِلُ الوَاحدُ كافٍ في القبول(٢١).
قوله(٢٢) :﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾.
" جَعَلَ " هنا تتعدَّى لمفعول واحد ؛ لأنها بمعنى " خَلَقَ "
١ سقط في ب..
٢ في أ: التوبة..
٣ في أ: التوبة..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/١٤٤) عن كعب الأحبار وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٥) وزاد نسبته لابن الضريس في فضائل القرآن وابن المنذر وأبي الشيخ..
٥ ذكره البغوي في تفسيره ٢/٨٣..
٦ في ب: فتح الله الخلق بالحمد..
٧ لما بطل الحسن والقبح العقلي، لزم منه امتناع وجوب شكر المنعم عقلا، وامتناع حكم عقلي، وهما قبل ورود الشرع مبنيان على ذلك، غير أن عادة الأصوليين جارية بفرض الكلام في هاتين المسألتين، إظهارا لما يختصّ بكل واحدة من الإشكال والمناقضة، أو إظهارا لسقوط كلام المعتزلة في هاتين المسألتين بعد تسليم الحسد والقبح العقليين على ما هو مذكور في الكتب المشهورة.
واعلم أن الشكر عند الخصوم ليس عبارة عن قول قائل: "الحمد لله" أو"الشكر لله"، وأمثالهما على ما يسبق إلى الأوهام؛ فإن العقل لا يوجب النطق بلفظ دون آخر، ولا على معرفة الله تعالى على ما يُظنّ؛ لأن الشكر هو فرع المعرفة، بل هو عبارة عن صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من السمع، والبصر، وسائر الجوارح، وكذا التمكن والاقتدار على الكسب والمال إلى ما خلق لأجله، وأعطاه لأجله، كصرفه النظر إلى مصنوعاته، والسمع إلى تلقي الإنذارات، والذهن إلى فهم معانيها، والمال إلى أسباب البقاء مدة العمر، وعلى هذا القياس: فهذا معنى الشكر حيث جاء في كتابه الكريم، ولهذا وصف الشاكرين بالقلة والمنعم المشكور هو الله المنعم، والواجب ما يذم تاركه.
ومحل الخلاف: أن أصحابنا أهل السنة يذهبون إلى أن وجوب هذا الشكر مأخوذ من الأنبياء، بناء على وجوب متابعتهم بعد ثبوت نبوتهم، ولا يقوم عليه برهان عقلي، والمعتزلة يذهبون إلى أن عليه برهانا عقليا؛ حتى إن النبي ﷺ لو نبهنا على هذه المسألة، وهدانا إلى مقدماتها قبل الاعتراف بنبوته، أو تنبهنا لها لحكم العقل بوجوبه بناء على البرهان العقلي.
ينظر: البحر المحيط للزركشي ١/١٤٩، البرهان لإمام الحرمين ١/٩٤، سلاسل الذهب للزركشي ٩٩، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/٨٣، نهاية السول للإسنوي ١/٢٦٣، منهاج العقول للبدخشي ١/١٥٧، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري، التحصيل من المحصول للأرموي ١/١٨٤، المنخول للغزالي ١٤، المستصفى له ١/٦١، حاشية البناني ١/٦٠، الإبهاج لابن السبكي ١/١٣٩، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/٩٧، حاشية العطار على جمع الجوامع ١/٨٥، تيسير التحرير لأمير بادشاه ٢/١٦٥، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١/٢١٦، الكوكب المنير للفتوحي ٩٨..

٨ في أ: والجواب..
٩ سقط في ب..
١٠ ينظر: تفسير الرازي ١٢/١١٨ ـ ١١٩..
١١ روي أنه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يأمره بالشكر، فقال داود: يا رب، وكيف أشكرك، وشكري لك لا يحصل إلا أن توفقني لشكرك، وذلك التوفيق نعمة زائدة وإنها توجب الشكر لي أيضا، وذلك يجر إلى ما لا نهاية له، ولا طاقة لي بفعل ما لا نهاية له؟ فأوحى الله تعالى إلى داود: لما عرفت عجزك عن شكري فقد شكرتني.
إذا عرفت هذا فنقول: لو قال العبد: أحمد الله كان دعوى أنه أتى بالحمد والشكر، فيتوجه عليه ذلك السؤال، أما لو قال: الحمد لله، فليس فيه ادعاء أن العبد أتى بالحمد والثناء، بل ليس فيه إلا أنه سبحانه مستحق للحمد والثناء، سواء قدر على الإتيان بذلك الحمد أو لم يقدر عليه، فظهر التفاوت بين هذين اللفظين من هذا الوجه.
وثالثها: أنه لو قال: أحمد الله، كان ذلك مشعرا بأنه ذكر حمد نفسه، ولم يذكر حمد غيره، أما إذا قال: الحمد لله، فقد دخل فيه حمده وحمد غيره من أول خلق العالم، إلى آخر استقرار المكلفين في درجات الجنان ودركات النيران، كما قال تعالى: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) [يونس: ١٠] فكان هذا الكلام أفضل وأكمل. ينظر: الرازي ١٢/١٢٠..

١٢ في أ: موجودة..
١٣ ينظر: الرازي ١٢/١٢١..
١٤ في الرازي ١٢/١٢١: تعليم..
١٥ في ب: أسئلة..
١٦ في ب: حاجة..
١٧ سقط في ب..
١٨ في أ: بالعالم..
١٩ في أ: التأويل..
٢٠ سقط في أ..
٢١ ينظر: الرازي ١٢/١٢٣..
٢٢ ينظر: الدر المصون ٣/٣، والبحر المحيط ٤/٧٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى