مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاببسم الله الرحمن الرحيم
﴿الحمد للَّهِ﴾ تعليم اللفظ والمعنى مع تعريض الاستغناء أي الحمد له وإن لم تحمدوه ﴿الذى خَلَقَ السماوات والأرض﴾ جمع السموات لأنها طباق بعضها فوق بعض. والأرض وإن كانت سبعة عند الجمهور فليس بعضها فوق بعض بل بعضها موال لبعض. «جعل » يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ كقوله ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ وإلى مفعولين إن كان بمعنى «صير » كقوله ﴿وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا﴾ [الزخرف: ١٩] وفيه رد قول الثنوية بقدم النور والظلمة، وأفرد النور لإرادة الجنس ولأن ظلمة كل شيء تختلف باختلاف ذلك الشيء، نظيره ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الموضع المظلم يخالف كل واحد منها صاحبها، والنور ضرب واحد لا يختلف كما تختلف الظلمات، وقدم الظلمات لقوله عليه السلام :" خلق اللّه خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل " ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ﴾ بعد هذا البيان ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يساوون به الاوثان، تقول عدلت بذا أي ساويته به، والباء في ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ لا للكفر، أو ثم الذين كفروا بربهم يعدلون عنه أي يعرضرن عنه فتكون الباء صلة للكفر وصلة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ أي عنه محذوفة،