التفسير المظهري — المظهري
عن الكتاب
﴿الحمد لله﴾ تعليم للعباد بالتحميد في ضمن الإخبار بثبوت جميع المحامد له تعالى، و التعريض بأنه سبحانه مستغن عن تحميد العباد فله الحمد وإن لم يحمد ﴿الذي خلق السماوات والأرض﴾ يعني قدرهما وأوجدهما من غير مثال سبق، وفي التوصيف به تنبيه على ظهور ثبوت الحمد لله تعالى من غير احتياج إلى الاستدلال، خص الله سبحانه السماوات والأرض بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد وفيهما العباد العبر والمنافع للناس ولأن خلق غيرهما وحدوثهما مما يراه الناس من الحوادث اليومية ظاهر، ومن ثم زعم بعض الجهلة قدمهما بالزمان، وذكر السماوات بلفظ الجمع دون الأرض وهي مثلهن إشعارا باختلاف ماهيات السماوات وأشكالها دون الأرضين وهي مثلهن إشعارا باختلاف ماهيات السماوات وأشكالها دون الأرضيين، قال : كعب الأحبار : هذه الآية أول آية في التوراة وآخر آية في التوراة قل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا والآية، قال : ابن عباس فتح الله الخلق بالحمد فقال : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وختمهم بالحمد فقال :﴿وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾(١) ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ في القاموس الجعل بمعنى الخلق، وقال البيضاوي : الفرق بينهما أن الخلق بمعنى التقدير والجعل فيه معنى التضمين أي جعل الشيء في ضمن الشيء أي تحصيل منه أو تصير إياه أو ينقل منه إليه بالجملة فيه اعتبار الشيئين وارتباط بينهما، ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية، قلت : ولأجل عدم قيامهما بأنفسهما، أسند الجعل إلى الظلمة مع كونها عدمية و العدم لا يتعلق به الجعل نظرا إلى كونها منتزعا من محل مخلوق، وجمع الظلمات لكثرة أجرام حاملة لها بالنسبة إلى الأجرام النورانية، فالنور بالنسبة إلى الظلمة كالواحد بالنسبة إلى المتعدد، وقال : الحسن جعل الظلمات والنور يعني الكفر والإيمان فعلى هذا أورد الظلمات بلفظ الجمع دون النور لتعدد طرق الكفر واتحاد طريقة الإيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال :( هذا سبيل الله ) ثم خطا خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال :( هذا سبل على سبيل منها شيطان يدعوا إليه ) ثم قرأ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾(٢)رواه أحمد و النسائي والدارمي. وقدم الظلمات في الذكر لتقدمها في الوجود، عن عبد الله ابن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله خلق الخلق في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول : جف القلم على علم الله )(٣) رواه أحمد الترمذي ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ عطف على قوله الحمد لله يعني أنه تعالى حقيق بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته، أو على قوله خلق يعني أنه خلق مالا يقدر عليه أحد غيره ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء أصلا، ومعنى ثم استبعاد عدولهم بعد هذا البيان، والباء في بربهم متعلق بكفروا وصلة يعدلون محذوف ليقع الإنكار على الفعل يعني يعدلون عنه وعلى الثاني متعلق بيعدلون يعني أن الكفار يعدلون أي يسوون بربهم الأوثان، وقال : النضر بن شميل الباء بمعنى عن أي عن ربهم يعدلون أي يميلون وينحرفون إلى غيره من العدول
١ سورة الزمر، الآية: ٧٥..
٢ رواه أحمد والبزار وفيه عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه ضعيف. انظر مجمع الزوائد في كتاب: التفسير، باب: سورة الأنعام(١١٠٠٥)..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الإيمان، باب: ما جاء في افتراق هذه الأمة(٢٧١٢) وقال: حديث حسن..
٢ رواه أحمد والبزار وفيه عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه ضعيف. انظر مجمع الزوائد في كتاب: التفسير، باب: سورة الأنعام(١١٠٠٥)..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الإيمان، باب: ما جاء في افتراق هذه الأمة(٢٧١٢) وقال: حديث حسن..