تفسير المراغي — المراغي

عن الكتاب
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون١ هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون٢ وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون﴾ [ الأنعام : ١ ٣ ].
تفسير المفردات : الحمد : هو الثناء الحسن والذكر الجميل، والظلمة : الحال التي يكون عليها كل مكان لا نور فيه، والنور قسمان : حسي وهو ما يدرك بالبصر، ومعنوي عقلي يدرك بالبصيرة، والجعل : هو الإنشاء والإبداع كالخلق، إلا أن الجعل مختص بالإنشاء التكويني كما في الآية، والتشريعي كما في قوله :﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة﴾ [المائدة: ١٠٣] الآية، والخلق عام.
ولم يذكر النور في القرآن إلا مفردا والظلمة إلا جمعا، لأن النور واحد وإن تعددت مصادره، والظلمة تحدث مما يحجب النور من الأجسام غير النيرة وهي كثيرة، وكذلك النور المعنوي شيء واحد، والظلمات متعددة فالحق واحد لا يتعدد والباطل الذي يقابله كثير، والهوى واحد والضلال المقابل له كثير، فالتوحيد يقابله التعطيل، والشرك في الألوهية بأنواعه، والشرك في الربوبية بضروبه المختلفة.
وقدمت الظلمات في الذكر على النور لأن جنسها مقدم في الوجود فقد وجدت مادة الكون وكانت دخانا مظلما أو سديما كما يقول علماء الفلك، ثم تكونت الشموس بما حدث فيها من الاشتعال لشدة الحركة، وإلى هذا يشير حديث عبد الله ابن عمرو عند أحمد والترمذي :" إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه نوره اهتدى، ومن أخطأه ضل ".
وكذلك الظلمات المعنوية أسبق وجودا، فإن نور العلم والهداية كسبي في البشر، وغير الكسبي منه كالوحي، فتلقيه كسبي، وفهمه والعمل به كسبيان أيضا، وظلمات الجهل والأهواء سابقة على هذا النور :﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾ [النحل: ٧٨].
ويعدلون : أي يعدلون به غيره، أي يجعلون عديلا مساويا له في العبادة والدعوة لكشف الضر وجلب النفع، فهو بمعنى يشركون به ويتخذون له أندادا.
الإيضاح :﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ أي الحمد والشكر للذي خلقكم وخلق السماوات والأرض فهو المستوجب للحمد بنعمه عليكم، لا من تعبدون من دونه وتجعلونه له شريكا من خلقه.
والمراد ب ﴿السماوات والأرض﴾ : العوالم العلوية التي يرى كثير منها فوقنا وهذا العالم الذي نعيش فيه.
وكذلك الذي أوجد الظلمات والنور، واختلف العلماء في المراد منهما، فمن قائل إن المقصود منهما ظلمة الليل ونور النهار، وإلى هذا جنح ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي، وفي ذلك رد على المجوس ( الثنوية ) الذين زعموا أن للعالم ربين أحدهما النور وهو الخالق للخير، والثاني الظلمة وهو الخالق للشر، ومن قائل إن المراد منهما الكفر والإيمان وروي هذا عن ابن عباس.
﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ أي ثم إنهم مع ذلك يعدلون به سواه، ويسوونه به في العبادة التي هي أقصى غاية الشكر، ويدعونه لكشف الضر وجلب النفع، هو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى