زهرة التفاسير — أبو زهرة

عن الكتاب
كان ختام السورة السابقة إثبات سلطان الله تعالى الكامل وقدرته الشاملة، وأنه لا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض إذ قال سبحانه :( لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير١٢٠ ) ( المائدة ) وفي هذه الآية يبين سبحانه السبب في كمال سلطانه والمظهر الأعظم لكمال قدرته وهو خلق السموات والأرض وخلق الإنسان فإن هذا من أسباب السلطان الكامل على السموات والأرض ومن فيهن، وهو مظهر كامل لكمال قدرته سبحانه وتعالى :
وهذا قوله تعالى :( الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ ).
الحمد معناه اللغوي : الثناء على المحمود بالفعل الاختياري الذي يقوم به، فلا يحمد على فعل كان بالجبلة والتسخير إنما الحمد يكون ثناء على فعل كان بالجبلة والتسخير، إنما الحمد يكون ثناء على فعل اختياري الحمد بمعنى الثناء مراتب أدناه الثناء على العباد في أعمالهم الاختيارية واستعماله في القرآن في الثناء على العباد قليل إلا إذا كان في التنديد بطلبهم للحمد مثل قوله تعالى :(... ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا... ١٨٨ ) ( آل عمران ) وأعلى من هذا مرتبة الثناء على الله تعالى بما هو أهله، وذكر صفاته والإحساس بجلائل نعمه، ولهج لسان العبد بهذه النعم.
المرتبة العليا شكر هذه النعم والخضوع المطلق له سبحانه والقيام بحق، عبادته وإفراده بالعبودية وإن ذلك هو المطلوب من العباد وهو أعلى الشكر، وقد قال سبحانه :(... لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم وإن عذابي لشديد... ٧ ) ( إبراهيم ) والشكر امتلاء القلب بذكر الله تعالى وذكر نعمه وشكرها، وهو الذي طالب به القرآن الكريم كما قال تعالى :(... اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم... ٤٧ ) ( البقرة ) و ( ال ) هنا للاستغراق، والمعنى أن المستحق لكل أنواع الحمد ومراتبها هو الله تعالى، فهو المستحق للعبادة وهي أعلى درجات الحمد، وهو الجدير بكل حمد دون غيره، وإذا كان ثمة حمد للعباد فهو إن كان على خير أسدوه كان حمد الله تعالى لتوفيقهم وعونهم، وان كان الدافع على الثناء غير الحير فهو ليس بحمد وإنما هو كذب وافتراء على الحق وتعاون على الشر. وقد ذكر سبحانه أسباب ذلك الحمد الذي بلغ أعلى درجاته فقال تعالت كلماته :
( الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ )هذا وصف لله سبحانه وتعالى يثبت كمال حق العبودية له وحده وانه لا يستحق الحمد الكامل سواه ولقد يقول الصوفية إن العبودية لله تعالى ثلاث مراتب : أولاها : أن يعبدوه لذاته والثانية أن يعبدوه لصفة من صفاته كصفة الخلق والتكوين والثالثة أن يعبدوه لتكمل نفوسهم ويحسوا بفضل الطاعة وهذا النص يفيد أن حمد الله تعالى لأنه خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور والحق أن المراتب الثلاث لا تباعد بينها، فمن يعبد الله لذاته فان ذاته تعرف بصفاته ومن يرى شرفه في عبادة الله وحده، فهو يتسامى.
والقول الجملي أن الذكر لخلق السموات والأرض لبيان سلطان الله تعالى وقدرته واستحقاقه وحده الألوهية بدليل قول الله سبحانه وتعالى بعد ذلك ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ).
وهنا بعض المباحث اللفظية التي نتعرض لها، لأن يكون تقريبا لمعاني الإعجاز في النص.
المبحث الأول : التعبير في خلق السماوات والأرض ب ( خلق ) وفي الظلمات والنور ب ( جعل ) فنقول :( الخلق معناه الإنشاء الابتدائي هنا، و الجعل يتضمن معنى تكوين شيء من شيء أو شيئين وقد يتضمن الخلق ذلك المعنى بقرينة وهنا المتبادر من المعنى أن الله تعالى أنشا السموات والأرض إنشاء وجعل، منها الظلمات والنور، فمن اختفاء الشمس عن الأرض يكون ظلام الليل ومن بزوغ الشمس على الأرض يكون النور وذلك كله بجعل الله تعالى وبأصل التكوين والتقدير من العزيز العليم.
المبحث الثاني : لماذا جمع ( الظلمات ) وأفرد ( النور ) ؟ والجواب عن ذلك : أن النور واحد من نتائجه الكشف والظهور وتعدد أسبابه لا يغير حقيقته أما الظلمة فإنها متنوعة أسبابها... فهناك ظلمة الليل، وهناك ظلمة المحابس، وهناك ظلمة القبور وهناك ظلمة الغمام وهي تتغير حقائقها بتغير اسبابها ثم ثمة إشارة إلى أمر معنوي وهي أن ظلمة الإدراك تتعدد حقائقها فهناك ظلمة الانحراف وظلمة الاهواء والشهوات وطمس القلوب والنور واحد ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ... ١٥٣ ) ( الأنعام ). فالنور في هذا واحد.
المبحث الثالث : لماذا أفردت الأرض وجمعت السموات مع أنه قد وردت نصوص تعتبر الأرض سبعا كالسموات ؟ والجواب عن ذلك أنه في كثير من المواضع تفرد وتجمع السماء في مثل قوله تعالى :( أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي افلا يؤمنون ٣٠ ) ( الأنبياء )
وإنما تعدد السموات لعظمها ولإحاطتها بالأرض ولما فيها من الايات البارزة ولتزيينها بالنجوم ولأنه لم يعلم أن الله تعالى قد عصى فيها ولأن طبقاتها متمايزة ينفصل بعضها عن بعض، والأرض طبقاتها متصلة.
المبحث الرابع : ما الذي كان العطف عليه في قوله تعالى :( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) ولماذا عطف ب ( ثم ) ؟ أما الجواب عن الجزء الأول فهو أن الله سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور وهو وحده، يستحق الحمد ثم مع ذلك يجعل الذين كفروا بسبب ضلالهم مثلا يعدلونه به، وهو أصنامهم أو ما يزعمون من الهة والتعبير ب ( ثم ) للبعد بين الحقيقتين فالحقيقة الأولى التي توجب توحيد الله تعالى وحده، والثانية ما يقع من هؤلاء الكافرين على غير بينة ولا إدراك

تفسير هذه الآية من كتب أخرى