تيسير التفسير — إبراهيم القطان

عن الكتاب
الحمد : الثناء الحق والذكر الجميل.
الظلمة : الحال التي يكون عليها كل مكان لا نور فيه، والنور قسمان : حِسّي وهو ما يدرك بالبصر، ومعنويّ وهو ما يدرَك بالبصيرة.
الجَعل : الإنشاء والإبداع كالخلق، إلا أن الجعل مختص بالإنشاء التكويني كما في هذه الآية، وبالتشريعي كما في قوله تعالى :« ما جعل الله من بَحيرة ولا سائبة »الآية.
ولم يذكر النور في القرآن إلا مفرداً، والظلمة إلا جمعاً. وذلك لأن النور واحد حتى لو تعددت مصادره، فيما تتم الظُلمة بعد حجب النور واعتراضه، ومصادر ذلك كثيرة. وكذلك حال النور المعنوي، فهو شيء واحد فيما الظلمات متعددة. فالحق واحد لا يتعدد، والباطل الذي يقابله كثير. والهدى واحد، والضلال المقابل له كثير. وقُدمت الظلمات في الذكر على النور لأنها سابقة عليه في الوجود، فقد وُجدت مادة الكون وكانت سديما كما يقول علماء الفلك، ثم تكوّنت الشموس والأجرام بما حدث فيها من الاشتعال لشدة الحركة. وإلى هذا يشير حديث عبد الله بن عمرو :« إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رشّ عليهم من نوره، فمن أصابه نورُه اهتدى، ومن أخطأهُ ضل » رواه أحمد والترمذي. ويؤيده قوله تعالى :﴿ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ، فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ أتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
ومثلُ ما سبق أن الظلمات المعنوية أسبقُ في الوجود، فان نور العلم والهداية كسبيٌ في البشر، وغير الكسبيِّ منه الوحي، وظلمات الجهل والأهواء سابقة على هذا النور ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً، وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
يعدلون : يجعلون له عديلاً مساوياً في العبادة، أي : يتخذون له أندادا.
الثناء والذِكر الجميل لله، الذي خلق هذا الكون وما فيه مما نراه وما لا نراه، وأوجد الظلمات والنور لمنفعة العباد. ثم مع هذه النعم الجلية يُشرِك به الكافرون ويجعلون له شريكاً في العبادة ! !
بدأت سورة الأنعام هنا في آياتها الأولى، فركّزت اتجاهها نحو القضايا الثلاث التي أشرنا إليها : الألوهية، الوحي والرسالة، وقضية البعث بعد الموت، فقررت في أولاها ما يوجب النظَر في التوحيد، وأثبتت لِلّه في سبيل ذلك استحقاق الحمد بحقيقته الشاملة لجميع أنواع صوره، وأهابت بالعقول أن تلتفت إلى أنه هو الذي خلق الكون بمادته وجوهرة، فلا أحد غيره يستحق شيئا من الحمد والثناء، لأن الله هو وحده المصدر، ولا يصح في عقلٍ أن يتجه بالعبادة والتقديس إلى غيره، فما أضلَّ أولئك الذين تنكبوا طريق العقل السليم واتخذوا له شركاء هو الّذي خلقهم في جملة ما خلق.
ففي الآية الكريمة إشارة إلى عظمة الخلق ووحدته، وعظمةُ الخلق تدل على وحدانية الخالق وجلاله : فالسماوات بنجومها وكواكبها، والأرض وما عليها من حيوان ونبات، وما في باطنها من معادن جامدة وسائلة، والبحار وما يسبح فيها من لآلئ وأحياء، كلها تدل على وحدانية الخالق. وكذلك النور الواحد والظلمات المنوعة، كظلمة الصخر والبحر والكهف والضباب المتكاثف... كل هذا يدل على إبداع الخالق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى