الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى :﴿الحمد لِلَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾[الأنعام: ١].
قال علي بن عبد الرحمن اليفرني في شرحه ل «البرهانية »، قال الإمام الفَخْرُ : لفظ ( الحمد ) مُعَرَّفاً لا يُقَالُ إلا في حَقِّ اللَّه عز وجل، لأنه يدلُّ على التعظيم، ولا يجوز أن يقال : الحمد لِزَيْدٍ، قاله سيبويه.
وذكر ابن العَرَبِيِّ في «القانون » عن أنس، أن النبيِ ﷺ قال :( ما مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدَ، وأَبْلَغُ الحَمْدِ، الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ). قال ابن العربي : وفي بعض الآثار :( ما من نِعْمَةٍ عَظْمَتْ إلا والحمد للَّه أعْظَمُ منها )، انتهى.
قال ( ع ) : و﴿جَعَلَ﴾ هاهنا بمعنى :«خلق »، ولا يجوز غَيْرُ ذلك، قال قتادة، والسُّدِّيُّ، وجمهور من المفسرين :( الظلمات ) الليل، ( والنور ) النهار، وقالت فرقة :( الظُّلمات ) الكُفْرُ، ( والنور ) الإيمان.
قال ( ع ) : وهذا على جهة التَّشْبِيهِ صحيح، وعلى ما يفهمه عُبَّادُ الأوثان غير جيد، لأنه إخراج لَفْظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى بَاطِنٍ لغير ضَرُورَةٍ، وهذا هو طريق اللُّغْزِ الذي بَرِئَ القُرْآنُ منه، والنور أيضاً هنا لِلْجِنْسِ.
وقوله تعالى :﴿ثُمَّ﴾ دالة على قُبْحِ فعل الذين كَفَرُوا، لأن المعنى : أن خلقه السَّمَوَاتِ والأَرْض، وغيرها الموجبة لحمده، وتوحيده، قد تقرر، وآياته قد سَطَعَتْ، وإنعامه بِذَلِكَ على العباد قد تَبَيَّنَ، فكان الواجب عليهم إخْلاَصَ التوحيد له، ثم هم بعد هذا كله ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي : يُسَوّون، ويمثلون، وعدل الشيء قرينه ومَثِيلُهُ.
و﴿الذين كَفَرُواْ﴾ في هذا المَوْضِعِ كل من عَبَدَ شَيْئاً سوى اللَّه، إلا أن السَّابِقَ من حال النبي ﷺ أن الإشَارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثان من العرب، لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضاً يشير إلى المَانَوِيَّةِ العابدين للنور، القائلين : أن الخَيْرَ من فِعْلِ النور، والشر من فِعْلِ الظلام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى