فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
بدأ سبحانه هذه السورة بالحمد لله، للدلالة على أن الحمد كله لله، ولإقامة الحجة على الذين هم بربهم يعدلون. وقد تقدّم في سورة الفاتحة ما يغني عن الإعادة له هنا، ثم وصف نفسه بأنه الذي خلق السموات والأرض إخباراً عن قدرته الكاملة، الموجبة لاستحقاقه لجميع المحامد، فإن من اخترع ذلك وأوجده، هو الحقيق بإفراده بالثناء وتخصيصه بالحمد، والخلق يكون بمعنى الاختراع، وبمعنى التقدير. وقد تقدّم تحقيق ذلك، وجمع السموات لتعدد طباقها، وقدّمها على الأرض لتقدّمها في الوجود ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها﴾. قوله :﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ معطوف على خلق. ذكر سبحانه خلق الجواهر بقوله :﴿خَلقَ السموات والأرض﴾ ثم ذكر خلق الأعراض بقوله :﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ لأن الجواهر لا تستغني عن الأعراض.
واختلف أهل العلم في المعنى المراد بالظلمات والنور ؛ فقال جمهور المفسرين : المراد بالظلمات سواد الليل، وبالنور ضياء النهار. وقال الحسن : الكفر والإيمان. قال ابن عطية : وهذا خروج عن الظاهر انتهى. والأولى أن يقال : إن الظلمات تشمل كل ما يطلق عليه اسم الظلمة، والنور يشمل كل ما يطلق عليه اسم النور، فيدخل تحت ذلك ظلمة الكفر ونور الإيمان ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي الناس كَمَن مثلهُ فِي الظلمات﴾ وأفرد النور لأنه جنس يشمل جميع أنواعه، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها وتعدد أنواعها. قال النحاس : جعل هنا بمعنى خلق، وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعدّ إلا إلى مفعول واحد، وقال القرطبي : جعل هنا بمعنى خلق لا يجوز غيره. قال ابن عطية : وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق، فيكون الجمع معطوفاً على الجمع، والمفرد معطوفاً على المفرد، وتقديم الظلمات على النور لأنها الأصل، ولهذا كان النهار مسلوخاً من الليل.
قوله :﴿ثمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ معطوف على الحمد لله، أو على خلق السموات والأرض، وثم لاستبعاد ما صنعه الكفار من كونهم بربهم يعدلون مع ما تبين من أن الله سبحانه حقيق بالحمد على خلقه السموات والأرض والظلمات والنور، فإن هذا يقتضي الإيمان به وصرف الثناء الحسن إليه، لا الكفر به واتخاذ شريك له، وتقديم المفعول للاهتمام، ورعاية الفواصل، وحذف المفعول لظهوره، أي يعدلون به مالا يقدر على شيء مما يقدر عليه، وهذا نهاية الحمق وغاية الرقاعة حيث يكون منه سبحانه تلك النعم، ويكون من الكفرة الكفر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن عليّ أن هذه الآية أعني الحمد لله، إلى قوله :﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ نزلت في أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال : نزلت هذه الآية في الزنادقة، قالوا : إن الله لم يخلق الظلمة ولا الخنافس، ولا العقارب، ولا شيئاً قبيحاً، وإنما يخلق النور وكل شيء حسن، فأنزلت فيهم هذه الآية. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ قال : الكفر والإيمان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة قال : إن الذين بربهم يعدلون هم أهل الشرك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السديّ مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال :﴿يَعْدِلُونَ﴾ يشركون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله :﴿ثمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ قال : الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله، وليس لله عدل ولا ندّ، وليس معه آلهة ولا اتخذ صاحبة ولا ولداً.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ من طِينٍ﴾ يعني آدم ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً﴾ يعني أجل الموت ﴿وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾ أجل الساعة والوقوف عند الله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عنه في قوله :﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً﴾ قال : أجل الدنيا، وفي لفظ أجل موته ﴿وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾ قال : الآخرة لا يعلمه إلا الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه ﴿قَضَى أَجَلاً﴾ قال : هو اليوم يقبض فيه الروح، ثم يرجع إلى صاحبه من اليقظة ﴿وَأَجَل مُسمًّى عِندَهُ﴾ قال : هو أجل موت الإنسان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى