محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
[ ١ ] ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ( ١ )﴾.
﴿الحمد لله﴾ أي جميع المحامد، بما حمد به نفسه أو خلقه، أو حمد به الخلق ربهم، أو بعضهم، مخصوص به. ثم أخبر عن قدرته الكاملة، الموجبة لاستحقاقه لجميع المحامد بقوله :﴿الذي خلق السماوات والأرض﴾ خصهما بالذكر، لأنهما أعظم المخلوقات، فيما يرى العباد، وفيهما العبر والمنافع، لأن السماوات بأوضاعها وحركاتها أسباب الكائنات والفاسدات التي هي مظاهر الكمالات الإلهية. والأرض مشتملة على قوابل الكون والفساد التي هي المسببات.
﴿وجعل الظلمات والنور﴾ أي : أوجدهما منفعة لعباده، في ليلهم. ونهارهم. وههنا :
لطائف :
الأولى- أن المقصود من الآية التنبيه على أن المنعم بهذه النعم الجسام هو الحقيق بالحمد والعبادة، دون ما سواه.
الثانية- لفظ ﴿جعل﴾ يتعدى إلى واحدة إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ، كما هنا ؛ وإلى مفعولين إذا كان بمعنى ( صير ) كقوله(١) :﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا﴾. والفرق بين ( الخلق ) و ( الجعل ) : أن ( الخلق ) فيه معنى التقدير، وفي ( الجعل ) معنى التضمين، كإنشاء شيء من شيء أو تصيير شيء شيئا، أو نقله من مكان إلى مكان. ومن ذلك :/ ﴿وجعل منها زوجها﴾(٢) ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا﴾(٣). وإنما حسن لفظ ( الجعل ) ههنا، لأن النور والظلمة لما تعاقبا، صار كأن كل واحد منهما إنما تولد من الآخر- قاله الرازي- وسبقه إليه الزمخشري.
قال الناصر في ( الانتصاف ) : وقد وردت ( جعل ) و ( خلق ) موردا واحدا. فورد :﴿وخلق منها زوجها﴾(٤). وورد :﴿وجعل منها زوجها﴾(٥). وذلك ظاهر في الترادف. إلا أن للخاطر ميلا إلى الفرق الذي أبداه الزمخشري. ويؤيده أن ( جعل ) لم يصحب السماوات والأرض، وإنما لزمتهما ( خلق ). وفي إضافة ( الخلق ) في هذه الآية إلى السماوات والأرض، و ( الجعل ) على الظلمات والنور، مصداق للمميز بينهما- والله أعلم-.
الثالثة- إن قيل : لم جمعت السماوات دون الأرض مع أنها مثلهن لقوله تعالى :﴿ومن / الأرض مثلهن﴾(٦)، وفي الحديث :(٧) " هل تدرون ما هذه ؟ قالوا : هذه أرض. هل تدرون ما تحتها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم  ! قال : أرض أخرى، وبينهما مسير خمسمائة عام، حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام ". - أخرجه الترمذي، وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه ؟.
فالجواب : لأن السماوات طبقات متفاضلة بالذات، مختلفة بالحقيقة، بخلاف الأرضين- كما قاله البيضاوي-.
وقال الرازي : إن السماء جارية مجرى الفاعل. والأرض مجرى القابل. فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر، وذلك يخل بمصالح هذا العالم. أما لو كانت كثيرة اختلفت الاتصالات الكوكبية، فحصل بسببها الفصول الأربعة، وسائر الأحوال المختلفة، وحصل بسبب تلك الاختلافات مصالح هذا العالم. أما الأرض فهي قابلة للأثر، والقابل الواحد كاف في القبول. انتهى.
وقدم السماوات لشرفها وعلو مكانها.
الرابعة- الظاهر في ﴿الظلمات والنور﴾ أن المراد منهما الأمران المحسوسان بحس البصر. والذي يقوي ذلك أن اللفظ حقيقة فيهما. والأصل حمل اللفظ على حقيقته، ولأن ﴿الظلمات والنور﴾ إذا قرنا بالسماوات والأرض، لم يفهم منهما إلا الأمران المحسوسان.
ونقل عن بعض السلف أنه عنى بهما الكفر والإيمان.
ورجح بعضهم الثاني بأن المعنى : أنه لما خلق السماوات والأرض، فقد نصب الأدلة على معرفته وتوحيده. ثم بين طرق الضلال، وطريق الهدى، بإنزال الشرائع والكتب السماوية. ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾، فناسب المقام ( ثم ) الاستبعادية، إذ يبعد من العاقل الناظر بعد إقامة الدليل. اختيار الباطل. انتهى.
وعليه فجمع ﴿الظلمات﴾ وتوحيد ﴿النور﴾ ظاهر. لأن الهدى واحد، والضلال متعدد، كما قال في آخر هذه السورة(٨) :﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾.
وعلى الأول، فجمعها لظهور كثرة أسبابها ومحالها عند الناس، فإن لكل جرم ظلمة، وليس لكل جرم نور. وأما تقديمها فلسبقها في التقدير والتحقق، على النور.
وفي الأثر(٩) :" إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ".
وقوله تعالى :﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ معطوف على الجملة السابقة الناطقة بما مر من موجبات اختصاصه تعالى، بالحمد المستدعي لاقتصار العبادة عليه. مسوق لإنكار ما عليه الكفرة، واستبعاده من مخالفتهم لمضمونها، واجترائهم على ما يقضي ببطلانه بديهة/ العقول. والمعنى أنه تعالى مختص باستحقاق الحمد والعبادة، باعتبار ذاته، وباعتبار ما فصل من شؤونه العظيمة الخاصة به، الموجبة لقصر الحمد والعبادة عليه. ثم هؤلاء الكفرة لا يعملون بموجبه، ويعدلون به سبحانه. أي : يسوون به غيره في العبادة التي هي أقصى غايات الشكر، الذي رأسه الحمد، مع كون كل ما سواه مخلوقا له، غير متصف بشيء من مبادئ الحمد.
وكلمة ( ثم ) لاستبعاد الشرك بعد وضوح ما ذكر من الآيات التكوينية، القاضية ببطلانه. و ( الباء ) متعلقة ب ﴿يعدلون﴾ ووضع ﴿الرب﴾ موضع ضميره تعالى، لزيادة التشنيع والتقبيح. والتقديم لمزيد الاهتمام، والمسارعة إلى تحقيق مدار الإنكار والاستبعاد، والمحافظة على الفواصل. وترك المفعول لظهوره، أو لتوجيه الإنكار إلى نفس الفعل، بتنزيله منزلة اللازم، إيذانا بأنه المدار في الاستبعاد، لا خصوصية المفعول. هذا هو الحقيق بجزالة التنزيل- أفاده أبو السعود-.
ثم ناقش ما وقع للمفسرين هنا مما يخالفه. فانظره.
وأصل ( العدل ) مساواة الشيء بالشيء. والمعنى : أنهم يجعلون له عديلا من خلقه، مما لا يقدر على شيء. فيعبدون الحجارة، مع إقرارهم بأن الله خلق السماوات والأرض.
وقال النضر بن شميل :( الباء ) بمعنى ( عن ) أي : عن ربهم يعدلون وينحرفون، من العدول عن الشيء.
لطيفة :
قال ابن عطية رحمه الله :( ثم ) دالة على قبح فعل الذين كفروا، لأن المعنى أن خلقه السماوات قد تقرر، وآياته قد سطعت، وإنعامه بذلك قد تبين. ثم بعد هذا كله قد عدلوا بربهم. فهذا كما تقول : أعطيتك وأحسنت إليك، ثم تشتمني ؟ ولو وقع العطف في هذا ونحوه ب ( الواو ) لم يلزم التوبيخ كلزومه ب ( ثم ) انتهى. أي : ففيها الدلالة على التوبيخ والإنكار، كالتعجيب أيضا.
قال أبو حيان : هذا الذي ذهب إليه ابن عطية من أن ( ثم ) للتوبيخ. والزمخشري من أنها للاستبعاد- مفهوم من سياق الكلام، لا من مدلول ( ثم ). انتهى.
وإنما لم تحمل ( ثم ) على التراخي، مع استقامته، لكون الاستبعاد أوفق بالمقام، لأن التراخي الزماني معلوم فيه، فلا فائدة في ذكره.
١ - (٤٣/ الزخرف / ١٩)..
٢ - [٧/ الأعراف/ ١٨٩] ونصها: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين (١٨٩)﴾.
و[٣٩/ الزمر/ ٦] ونصها: ﴿خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (٦)﴾..

٣ - [٣٨/ ص / ٥]..
٤ - [٤/ النساء/ ١] ونصها: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا(١)﴾..
٥ - [٧/ الأعراف/ ١٨٩] ونصها: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آيتينا صالحا لتكونن من الشاكرين (١٨٩)﴾.
و[٣٩/ الزمر/ ٦] ونصها: ﴿خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (٦)﴾..

٦ - [٦٥/ الطلاق/ ١٢] ونصها: ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء وقدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (١٢)﴾..
٧ - أخرجه الترمذي في: ٤٤- كتاب التفسير، ٥٧- سورة الحديد، ونصه:
عن أبي هريرة قال: بينا نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب. فقال نبي الله ﷺ "هل تدرون ما هذا"؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا العنان. هذه روايا الأرض، يسوقه الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه" قال "هل تدرون ما فوقكم"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال "فإنها الرقيع، سقف محفوظ وموج مكفوف" ثم قال: "هل تدرون كم بينكم وبينها"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:"يبنكم وبينها مسيرة خمسمائة سنة" حتى عدد سبع سماوات، ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض. ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:" فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين" ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:"فإنها الأرض" ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحت ذلك"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "تحتها الأرض الأخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة" حتى عدد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة. ثم قال:"والذي نفس محمد بيده ! لو أنكم دليتم رجلا بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله"
ثم قرأ: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾..

٨ - [٦/ الأنعام/ ١٥٣] ونصها:﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (١٥٣)﴾..
٩ - أخرجه الإمام في المسند بالصفحة ١٧٦ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٦٦٤٤ (طبعة المعارف) ونصه:
عن عبد الله بن الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو، وهو في حائط له بالطائف، يقال له الوهط، وهو مخاصر فتى من قريش، يزن بشرب الخمر. فقلت له: بلغني عنك حديث: أن من شرب شربة خمر لم يقبل الله له توبة أربعين صباحا. وأن الشقي من شقي في بطن أمه. وأن من أتى بيت المقدس لا ينهزه إلا الصلاة فيه خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه.
فلما سمع الفتى ذكر الخمر، اجتذب يده من يده ثم انطلق.
ثم قال عبد الله بن عمر: إني لا أحل لأحد أن يقول علي ما لم أقل.
سمعت رسول الله ﷺ يقول....
وسمعت رسول الله ﷺ يقول:"إن الله عز وجل خلق الخلق في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ. فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى، ومن أخطأه ضل. فلذلك أقول: جف القلم على علم الله عز وجل".
وسمعت رسول الله ﷺ يقول....
ورواه الترمذي في: ٣٨- كتاب الإيمان، ١٨- باب ما جاء في افتراق هذه الأمة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى