المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
هذا تصريح بأن الله تعالى هو الذي يستحق الحمد بأجمعه. لأن الألف واللام في ﴿الحمد﴾ لاستغراق الجنس، فهو تعالى له الأوصاف السنية والعلم والقدرة والإحاطة والأنعام، فهو أهل للمحامد على ضروبها وله الحمد الذي يستغرق الشكر المختص بأنه على النعم، ولما ورد هذا الإخبار تبعه ذكر بعض أوصافه الموجبة للحمد، وهي الخلق «للسماوات والأرض » قوام الناس وأرزاقهم، ﴿والأرض﴾ ها هنا للجنس فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها، والبادي من هذا الترتيب أن السماء خلقت من قبل الأرض، وقد حكاه الطبري عن قتادة، وليس كذلك لأن الواو لا ترتب المعاني، والذي ينبني من مجموع آي القرآن أن الله تعالى خلق الأرض ولم يدحها ثم استوى إلى السماء فخلقها ثم دحا الأرض بعد ذلك، و ﴿جعل﴾ ها هنا بمعنى خلق لا يجوز غير ذلك، وتأمل لم خصت ﴿السماوات والأرض﴾ ب ﴿خلق﴾ و ﴿الظلمات والنور﴾ ب ﴿جعل﴾(١) ؟ وقال الطبري ﴿جعل﴾ هذه هي التي تتصرف في طرق الكلام كما تقول جعلت كذا فكأنه قال وجعل إظلامها وإنارتها.
قال القاضي أبو محمد : وهذا غير جيد، لأن ﴿جعل﴾ إذا كانت على هذا النحو فلا بد أن يرتبط معها فعل آخر كما يرتبط في أفعال المقاربة كقولك كاد زيد يموت، «جعل » زيد يجيء ويذهب، وأما إذا لم يرتبط معها فعل فلا يصح أن تكون تلك التي ذكر الطبري(٢).
وقال السدي وقتادة والجمهور من المفسرين :﴿الظلمات﴾ الليل و ﴿النور﴾ النهار، وقالت فرقة :﴿الظلمات﴾ الكفر و ﴿النور﴾ الإيمان.
قال القاضي أبو محمد : وهذا غير جيد لأنه إخراج لفظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى باطن لغير ضرورة، وهذا هو طريق اللغز الذي برىء القرآن منه، و ﴿النور﴾ أيضاً هنا للجنس فإفراده بمثابة جمعه(٣).
وقوله تعالى :﴿ثم﴾ دالة على قبح فعل ﴿الذين كفروا﴾ لأن المعنى أن خلقه «السموات والأرض » وغيرهما قد تقرر، وآياته قد سطعت، وأنعامه بذلك قد تبين ثم بعد هذا كله عدلوا بربهم، فهذا كما تقول : يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني، أي بعد مهلة من وقوع هذا كله، ولو وقع العطف في هذا ونحوه بالواو لم يلزم التوبيخ كلزومه ب ﴿ثم﴾، ﴿الذين كفروا﴾ في هذا الموضع هم كل من عبد شيئاً سوى الله قال قتادة : هم أهل الشرك خاصة، ومن خصص من المفسرين في ذلك بعضاً دون بعض فلم يصب، إلا أن السابق من حال النبي ﷺ أن الإشارة إلى عبدة الأوثان من العرب لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضاً يشير إلى المانوية(٤)، ويقال الماننية العابدين للنور القائلين إن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلام، وقول ابن أبزى :«إن المراد أهل الكتاب بعيد ». و ﴿يعدلون﴾ معناه يسوون ويمثلون، وِعدل الشيء قرينه ومثيله، والمنوية مجوس، وورد في مصنف أبي داود حديث وهو القدرية مجوس هذه الأمة(٥)، ومعناه الإغلاظ عليهم والذم لهم في تشبيههم بالمجوس وموضع الشبه هو أن المجوس تقول الأفعال خيرها خلق النور وشرها خلق الظلمة فجعلوا خالقاً غير الله، والقدرية تقول الإنسان يخلق أفعاله فجعلوا خالقاً غير الله تعالى عن قولهم، وذهب أبو المعالي إلى التشبيه بالمجوس إنما هو قول القدرية : إن الخير من الله وإن الشر منه ولا يريده، وإنما قلنا في الحديث إنه تغليظ لأنه قد صرح أنهم من الأمة ولو جعلهم مجوساً حقيقة لم يضفهم إلى الأمة، وهذا كله أن لو صح الحديث والله الموفق.
١ - وضح ذلك الزمخشري فقال: "والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير، وفي الجعل معنى التصيير كإنشاء شيء من شيء أو تصيير شيء شيئا، أو نقله من مكان إلى مكان، ومن ذلك: ﴿وجعل منها زوجها﴾ ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ لأن الظلمات من الأجرام المتكافئة، والنور من النار ﴿وجعلناكم أزواجا﴾ ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا﴾. اهـ. وقال القرطبي: "الخلق يكون بمعنى الاختراع وبمعنى التقدير، وكلاهما مراد هنا، وذلك دليل على حدوثهما"، ثم قال: "وذكر بعد خلق الجواهر خلق الأعراض"، وكأنه يوحي بأن التعبير عن خلق الجواهر يكون بالفعل (خلق)، وأن التعبير عن خلق الأعراض يكون الفعل (جعل)، وإن كان لم يصرح بذلك..
٢ - معنى ذلك أن (جعل) التي ذكرها الطبري من أفعال المقاربة التي تدخل على المبتدأ والخبر، وأما (جعل) التي في الآية فإنها تعدّت إلى مفعول واحد، فهما متباينتان في المعنى والاستعمال. وقد قال الزمخشري: "جعل يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ، كقوله تعالى: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾، وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صيّر كقوله ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا﴾"- وقد تعقبه أبو حيان صاحب "البحر المحيط" في تمثيله لهذه الأخيرة فقال: "وما ذكره من أن (جعل) بمعنى صيّر في قوله تعالى: ﴿وجعلوا الملائكة﴾ لا يصح، لأنهم لم يصيروهم إناثا، وإنما قال بعض النحويين: إنها بمعنى سمّى". اهـ. وحكى الثعلبي أن بعض أهل المعاني قال (جعل) هنا زائدة، والعرب تزيدها في الكلام..
٣ -وهذا كقوله سابقا: "والأرض هنا للجنس... الخ"- ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿ثم يخرجكم طفلا﴾ وقول الشاعر:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص
أي: ذو مخمصة وجدب.
.

٤ - مذهب ينسب إلى رجل اسمه (ماني) ولد في ولاية مسين ببابل عام ٢١٥ أو ٢١٦ بعد ميلاد المسيح، وقد أخذ عن النصرانية عقيدة التثليث، وعن الزردشتية فكرة الأصلين: النور والظلمة، وكان يعتقد بتناسخ الأرواح، وللمانوية تنظيم دقيق، وهيكل جماعتهم يقوم على خمس طبقات متسلسلة أهمها: أبناء العلم، وأبناء العقل، وأبناء الفطنة، وآخر الطبقات: "السماعون" وهم سواد الناس، وقد لقي ماني مصرعه على يد بهرام- ارجع إلى كتاب "مروج الذهب للمسعودي" ١/ ٢٥١ وكتاب: "إيران في عهد الساسانيين" لكريستنس ص ١٧١..
٥ - أخرجه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه- عن ابن عمر، وهو بتمامه: (القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)- قال عنه السيوطي في الجامع الصغير: "حديث صحيح"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى