الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ : قرأ حمزة والكسائي :" يكن " بالياء من تحت، " فتنتهم " نصباً، وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم :" تكن " بالتاء من فوق، " فتنتُهم " رفعاً. والباقون بالتاء من فوق أيضاً، " فتنتهم " نصباً. فأمَّا قراءة الأخوين فهي أفصحُ هذه القراءات لإِجرائها على القواعد من غير تأويل، وستعرفه في القراءتين الأُخْرَيَيْن، وإعرابها ظاهر. وذلك أن " فتنتهم " خبر مقدم، و " أَنْ قالوا " بتأويل اسم مؤخر، والتقدير : ثم لم تكن فتنتهم إلا قولُهم، وإنما كانت أفصحَ لأنه إذا اجتمع اسمان، أحدهما : أعرفُ، فالأحسنُ جَعْلُه اسماً مُحَدَّثاً عنه والآخر خبراً حديثاً عنه، و " أَنْ قالوا " يشبه المضمر، والمضمر أعرف المعارف، وهذه القراءة جُعِل الأعرفُ/ فيها اسماً ل " كان " وغيرُ الأعرف خبرَها، ولم يؤنَّث الفعل لإِسناده إلى مذكر. وأما قراءة ابن كثير ومَنْ تبعه ف " فتنتُهم " اسمها، ولذلك أُنِّثَ الفعلُ لإِسناده إلى مؤنث. و " إلا أَنْ قالوا " خبرها، وفيه أنك جعلت غير الأعرف اسماً والأعرفَ خبراً، فليست في قوة الأولى.
وأمَّا قراءةُ الباقين ف " فتنتَهم " خبر مقدم، و " إلا أن قالوا " اسمٌ مؤخَّرٌ، وهذه القراءةُ - وإن كان فيها جَعْلُ الأعرفِ اسماً - كالقراءة الأولى، إلا أن فيها لَحاقَ علامة تأنيث في الفعل مع تذكير الفاعل ولكنه بتأويل. فقيل : لأن قوله :﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ في قوة مقالتهم. وقيل : لأنه هو الفتنة في المعنى، وإذا أخبر عن الشيء بمؤنَّثٍ اكتسب تأنيثاً فعومل معاملته، وجعل أبو علي منه ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] لما كانت الأمثال هي الحسنات في المعنى عومل معاملةَ المؤنث فسقطت التاء من عدده. ومثلُ الآيةِ قولُه :
ألم يكُ غَدْراً ما فَعَلْتُم بسَمْعَلٍوقد خاب مَنْ كانَتْ سريرتَه الغَدْرُ
ف " كانت " مسند إلى الغدر وهو مذكَّر، لكن لما أخبر عنه بمؤنث أنَّث فِعْلَه، ومثله قول لبيد :
فمضى وقدَّمها وكانت عادةًإذا هي عَرَّدَتْ إقدامُها
قال أبو علي :" فأنَّث الإِقدام لما كان العادة في المعنى " قال :" وقد جاء في الكلام :" ما جاءت حاجتَك " فأنّث ضمير " ما " حيث كانت الحاجة في المعنى، ولذلك نصب " حاجتك ". وقال الزمشخري :" وإنما أنَّث " أن قالوا " لوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم : من كانت أمَّك ".
وقال الشيخ :" وكلام الزمخشري مُلَفَّقٌ من كلام أبي علي، وأمَّا " من كانت أمَّك " فإنه حَمَلَ اسمَ " كان " على معنى " مَنْ " فإن لها لفظاً مفرداً مذكراً، ولها معنى بحسب ما تريد من إفارد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، وليس الحَمْلُ على المعنى لمراعاة الخبر، ألا ترى أنه يجيء حيث لا خبر، كقوله :﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] [ وقوله ] :
. . . . . . . . . . . . . . .نكن مثلَ مَنْ يا ذئب يَصْطحبان
قلت : ليت شعري ولأي معنى خصَّ الزمخشريَّ بهذا الاعتراض فإنه وارد على أبي علي أيضاً ؟ إذ لقائلٍ أن يقول : التأنيث في " جاءت " للحمل على معنى " ما " فإن لها هي أيضاً لفظاً ومعنى مثل " مَنْ " على أنه يقال : للتأنيث علَّتان، فذكرا إحداهما.
ورجَّح أبو عبيد قراءَة الأخوين بقراءة أُبَيّ وبان مسعود :" وما كان فتنتُهم إلا أن قالوا " فلم يُلْحِقْ الفعلَ علامةَ تأنيث. ورجَّحها غيره بإجماعهم على نصب " حُجَّتَهم " من قوله تعالى :﴿مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الجاثية: ٢٥]. وقرئ شاذاً :{ ثم لم يكنْ فتنتُهم إلا أن قالوا " بتذكير " يكنْ " ورفع " فتنتهم " ووجهُ شذوذِها سقوطُ علامةِ التأنيثِ والفاعلُ مؤنثٌ لفظاً وإن كان غيرَ حقيقي، وجَعْلُ غير الأعرف اسماً والأعرفِ خبراً، فهي عكس القراءة الأولى من الطرفين، و " أن قالوا " ممَّا يجب تأخيرُه لحَصْره سواء أجُعِلَ اسماً أم خبراً.
قوله :﴿رَبِّنَا﴾ قرأ الأخَوان :﴿ربَّنا﴾ نصباً والباقون جراً. ونصبه : إمَّا على النداء وإمَّا على المدح، قاله ابن عطية، وإمَّا على إضمار " أعني " قاله أبو البقاء والتقدير : يا ربنا. وعلى كلِّ تقديرٍ فالجملة معترضةٌ بين القسم وجوابه وهو قوله ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وخفضُه في ثلاثةِ أوجهٍ : النعتِ والبدلِ وعطفِ البيان. وقرأ عكرمة وسلام بن مسكين :﴿واللَّهُ ربُّنا﴾ برفعهما على المبتدأ والخبر. قال ابن عطية :" وهذا على تقديمٍ وتأخير، كأنهم قالوا : واللَّهِ ما كنَّا مشركين واللَّهُ ربُّنا " قلت : يعني أن ثَمَّ قَسَماً مضمراً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى