التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
قال ابن عباس : يغفر الله - تعالى - لأهل الإخلاص ذنوبهم. ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، فإذا رأى المشركون ذلك قالوا : إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك، فتعالوا نقول : إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين. فقال الله - تعالى - : أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم، فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعندئذ يعرف المشركون أن الله لا يكتم حديثاً، فذلك قوله :
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ ثم قال - تعالى - ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾.
والمراد بالنظر هنا : التدبر والتفكير.
والمعنى : انظر - أيها العاقل - وتأمل كيف كذب هؤلاء المشركون على أنفسهم فى قولهم والله ربنا وما كنا مشركين، وغاب عن عملهم ما كانوا يفترونه فى الدنيا من الأقوال الباطلة، وما كانوا يفعلونه من جعلهم لله شركاء.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور مع أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته ؟ قلت : الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشاً : ألا تراهم يقولون ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه ﴿وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ وقد علموا أنه لا يقضى عليهم ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى