الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ﴾ : اللامُ متعلقٌ ب " اقترب ". قال الزمخشري :" هذه اللامُ لا تخلُو : إمَّا أَنْ تكونَ صلةً لاقترب، أو تأكيداً لإِضافةِ الحسابِ إليهم كقولك : أَزِفَ للحَيِّ رحيلُهم الأصل : أَزِفَ رحيلُ الحيِّ، ثم أَزِفَ للحيِّ الرحيلُ، ثم أزف للحيِّ رحيلُهم، ونحوه ما أوردَه سيبويه في باب " ما يُثَنَّى فيه المستقِرُّ توكيداً " نحو :" عليك زيدٌ حريصٌ عليك "، و " فيك زيد راغب فيك "، ومنه قولهم :" لا أبا لك " لأنَّ اللاَم مؤكدةٌ لمعنى الإِضافة. وهذا الوجهُ أغربُ من الأول. قال الشيخ :/ " يعني بقولِه صلةً لاقتربَ أي : متعلقةً به. وأمَّا جَعْلُه اللامَ تأكيداً لإِضافة الحسابِ إليهم مع تقدُّمِ اللامِ ودخولِها على الاسمِ الظاهرِ، فلا نعلم أحداً يقول ذلك، وأيضاً فتحتاج إلى ما تتعلَّقُ به. ولا يمكن تعلُّقها ب " حسابُهم " ؛ لأنه مصدرٌ موصولٌ، لأن قُدِّم معمولُه عليه. وأيضاً فإنَّ التوكيدَ يكونُ متأخراً عن المُؤَكَّد، وأيضاً فلو أُخِّر في هذا التركيبِ لم يَصِحَّ. وأمَّا تشبيهُه بما أورد سيبويهِ فالفرقُ واضحٌ فإنَّ " عليك " معمولٌ ل " حريصٌ "، و " عليك " المتأخرةُ تأكيدٌ، وكذلك " فيك زيدٌ راغبٌ فيك " يتعلَّقُ " فيك " ب " راغبٌ "، و " فيك " الثانيةُ توكيدٌ. وإنما غَرَّه في ذلك صحةُ تركيبِ حسابِ الناس، وكذلك " أَزِفَ رحيلُ الحيِّ " فاعتقدَ إذا تقدَّم الظاهرُ مجروراً باللامِ وأُضيف المصدرُ لضميرِه أنَّه من بابِ " فيك زيد راغب فيك "، فليس مثلَه. وأمَّا " لا أبا لك " فهي مسألةٌ مشكلةٌ، وفيها خلاف، ويمكن أن يقال فيها ذلك ؛ لأنَّ اللامَ فيها جاوَرَتِ الإِضافةَ، ولا يُقاس عليها لشذوذِها وخروجها عن الأقيسةِ ".
قلت : مسألةُ الزمخشري أشبهُ شيءٍ بمسألةِ " لا أبا لَك "، والمعنى الذي أَوْرده صحيحٌ. وأمَّا كونُها مشكلةً فهو إنما بناها على قولِ الجمهورِ، والمُشْكِلُ مقررٌ في بابِه، فلا يَضُرُّنا القياسُ عليه لتقريرِه في مكانِه.
قوله :﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ يجوز أَنْ يكونَ الجارُّ متعلقاً بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من الضميرِ في " مُعْرِضُون "، وأن يكون خبراً للضمير، و " مُعْرِضون " خبر ثانٍ. وقولُ أبي البقاء في هذا الجارِّ " إنه خبرٌ ثانٍ " يعني في العددِ، وإلاَّ فهو أولٌ في الحقيقة. وقد يقال : لَمَّا كان في تأويلِ المفرد جُعِل المفردُ الصريحُ مقدَّماً في الرتبةِ فهو ثانٍ بهذا الاعتبارِ. وهذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من " للناس ".
قلت : مسألةُ الزمخشري أشبهُ شيءٍ بمسألةِ " لا أبا لَك "، والمعنى الذي أَوْرده صحيحٌ. وأمَّا كونُها مشكلةً فهو إنما بناها على قولِ الجمهورِ، والمُشْكِلُ مقررٌ في بابِه، فلا يَضُرُّنا القياسُ عليه لتقريرِه في مكانِه.
قوله :﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ يجوز أَنْ يكونَ الجارُّ متعلقاً بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من الضميرِ في " مُعْرِضُون "، وأن يكون خبراً للضمير، و " مُعْرِضون " خبر ثانٍ. وقولُ أبي البقاء في هذا الجارِّ " إنه خبرٌ ثانٍ " يعني في العددِ، وإلاَّ فهو أولٌ في الحقيقة. وقد يقال : لَمَّا كان في تأويلِ المفرد جُعِل المفردُ الصريحُ مقدَّماً في الرتبةِ فهو ثانٍ بهذا الاعتبارِ. وهذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من " للناس ".