فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب

عن الكتاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ
{ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ { ١ ) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ { ٢ ) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ { ٣ ) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ { ٤ ) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ { ٥ ) مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ { ٦ ) }
دنا للناس وقت بعثهم من قبورهم، وسوقهم إلى ربهم، وسؤالهم عن أقوالهم وأفعالهم ونياتهم، ومجازاتهم بما قدموا في حياتهم، وهم في سهو وجهالة عما يفعل بهم، وقد أعرضوا عن ذلك فتركوا الفكر فيه، والاستعداد له (١) والتزود بما ينجي من أحواله وأهواله إن شاء الله ؛ [ فإن قيل : كيف وصف بالاقتراب وقد مضى دون هذا القول مئات من الأعوام ؟ فالجواب : أن كل ما هو آت قريب... ومما يدل على أن الباقي... أقل من الماضي قوله صلى الله عليه وسلم : " بعثت أنا والساعة كهاتين " - وأشار بالسبابة والتي تليها ؛ وفي ذكر هذا الاقتراب تنبيه للغافلين، وزجر للمذنبين، فالمراد بالناس : كل من له مدخل في الحساب وهم جميع المكلفين ؛ وما روى ابن عباس أن المراد بالناس : المشركون، فمن باب إطلاق اسم الجنس على بعضه بالدليل القائم، وهو ما يتلوه من صفات المشركين من الغفلة والإعراض وغيرهما ](٢). { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. لاهية قلوبهم ] مما أورد صاحب الجامع لأحكام القرآن :{ محدث } نعت ل﴿ذكر﴾... يريد في النزول وتلاوة جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، كما ينزله الله تعالى في وقت بعد وقت ؛ لا أن القرآن مخلوق ؛ وقيل : الذكر : ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم ويعظهم به ؛ وقال :﴿من ربهم﴾ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بالوحي فوعظ النبي صلى الله عليه وسلم وتحذيره ذكر، وهو محدث ؛ قال الله تعالى :{ فذكر إنما أنت مذكر )(٣)... { إلا استمعوه } يعني محمد صلى الله عليه وسلم، أو القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم أو من أمته ﴿وهم يلعبون﴾ الواو : واو الحال يدل عليه ﴿لاهية قلوبهم﴾ ومعنى :﴿يلعبون﴾ أي يلهون.. فإن حمل تأويله على اللهو احتمل ما يلهون به وجهين : أحدهما بلذاتهم ؛ الثاني بسماع ما يتلى عليهم ؛ وإن حمل تأويله على الشغل احتمل ما يتشاغلون به وجهين : أحدهما بالدنيا لأنها لعب ؛ كما قال تعالى. { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو.. )(٤) ؛ الثاني يتشاغلون بالقدح فيه، والاعتراض عليه... اه
١ ما بين العارضتين من جامع البيان..
٢ ما بين العلامتين مقتبس مما أورد النيسابوري.
٣ سورة الغاشية. الآية ٢١..
٤ سورة محمد. من الآية ٣٦.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى