فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
يقال : قرب الشيء واقترب وقد اقترب الحساب، أي قرب الوقت الذي يحاسبون فيه. قال الزجاج : المعنى :﴿اقترب لِلنَّاسِ﴾ وقت ﴿حِسَابَهُمْ﴾ أي القيامة كما في قوله :﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: ١]. واللام في ﴿للناس﴾ متعلقة بالفعل، وتقديمها هي ومجرورها على الفاعل لإدخال الروعة، ومعنى اقتراب وقت الحساب : دنّوه منهم، لأنه في كل ساعة أقرب إليهم من الساعة التي قبلها. وقيل : لأن كل ما هو آتٍ قريب، وموت كل إنسان قيام ساعته. والقيامة أيضاً قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى، والمراد بالناس : العموم. وقيل : المشركون مطلقاً. وقيل : كفار مكة، وعلى هذا الوجه قيل : المراد بالحساب : عذابهم يوم بدر، وجملة :﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ في محل نصب على الحال، أي هم في غفلة بالدنيا معرضون عن الآخرة، غير متأهبين بما يجب عليهم من الإيمان بالله. والقيام بفرائضه، والانزجار عن مناهيه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج النسائي عن أبي سعيد عن النبيّ ﷺ في قوله :﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ قال :" في الدنيا ". وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في الآية قال :" من أمر الدنيا " وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿بَلْ قَالُوا أضغاث أَحْلاَمٍ﴾ أي فعل الأحلام إنما هي رؤيا رآها ﴿بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ كل هذا قد كان منه ﴿فليأتنا بآية كما أرسل الأولون﴾ كما جاء عيسى وموسى بالبينات والرسل ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِن قَرْيَةٍ أهلكناها﴾ أي أن الرسل كانوا إذا جاؤوا قومهم بالبينات فلم يؤمنوا لم ينظروا. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : قال أهل مكة للنبيّ ﷺ : إذا كان ما تقوله حقاً ويسرّك أن نؤمن فحوّل لنا الصفا ذهبا، فأتاه جبريل فقال : إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان، ثم لم يؤمنوا لم يُنْظروا، وإن شئت استأنيت بقومك، قال :" بل أستأني بقومي "، فأنزل الله :﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَا جعلناهم جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطعام﴾ يقول : لم نجعلهم جسداً ليس يأكلون الطعام، إنما جعلناهم جسداً يأكلون الطعام.