أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٤:قوله تعالى :﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ٣٤﴾.
قال بعض أهل العلم : كان المشركون ينكرون نبوته صلى الله عليه وسلم ويقولون : هو شاعر يتربَّص به ريب المنون، ولعله يموت كما مات شاعر بني فلان. فقال الله تعالى : قد مات الأنبياء من قبلك، وتولى دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك.
وقال بعض أهل العلم : لما نعى جبريل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم نفسه قال :«فَمَنْ لأُمتي » ؟ فنزلت ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ والأول أظهر. لأن السورة مكية : ومعنى الآية : أن الله لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد. أي دوام البقاء في الدنيا، بل كلهم يموت.
وقوله :﴿أفإن مت فهم الخالدون﴾ استفهام، إنكاري معناه النفي. والمعنى : أنك إن مت فهم لن يخلدوا بعدك، بل سيموتون. ولذلك أتبعه بقوله :﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. وما أشار إليه جل وعلا في هذه الآية من أنه صلى الله عليه وسلم سيموت، وأنهم سيموتون، وأن الموت ستذوقه كل نفس أوضحه في غير هذا الموضع. كقوله تعالى :﴿إنك ميت وإنهم ميتون ٣٠﴾، وكقوله :﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ٢٦ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلْالِ وَالإِكْرَامِ ٢٧﴾، وقوله في سورة «آل عمران » :﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، وقوله في سورة «العنكبوت » :﴿يا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ٥٦ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ٥٧﴾، وقوله تعالى في سورة «النساء » :﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ في بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في سورة «الكهف » استدلال بعض أهل العلم بهذه الآية الكريمة على موت الخضر عليه السلام. وقال بعض أهل العلم في قوله :﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ ٣٤﴾ : هو استفهام حذفت أداته. أي أفهم الخالدون. وقد تقرر في علم النحو أن حذف همزة الاستفهام إذا دل المقام عليها جائز، وهو قياسي عند الأخفش مع «أم » ودونها ذكر الجواب أم لا : فمن أمثلته دون «أم » ودون ذكر الجواب قول الكميت :
طربت وما شوقاً إلى البيض أطربولا لعباً مني وذو الشيب يلعب
يعني : أو ذو الشيب يلعب. وقول أبي خراش الهذلي واسمه خويلد :
وَفَوني وقالوا يا خُوَيْلِدُ لم تُرَعفقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ همُ همُ
يعني : أهم هم على التحقيق. ومن أمثلته دون «أم » مع ذكر الجواب قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي :
ثم قالوا تحبها قلت بهراعدد النجم والحصى والتراب
يعني : أتحبها على الصحيح. وهو مع «أم » كثير جداً، وأنشد له سيبويه قول الأسود يعفر التميمي :
لعمرك ما أدري وإن كنت دارياشعيث بن سهم أم شعيث بن منقر
يعني : أشعيث بن سهم، ومنه قول أبي ربيعة المخزومي :
بدا لي منها معصم يوم جمرتوكف خضيب زينت ببنان
فوالله ما أدري وإني لحاسببسبعٍ رَمَيْتُ الجمرَ أم بثمان

يعني : أبسبع. وقول الأخطل :
كذبتك عينك أم رأيت بواسطغلس الظلام من الرباب خيالا
يعني : أكذبتك عينك. كما نص سيبوبه في كتابه على جواز ذلك في بيت الأخطل هذا، وإن خالف في ذلك الخليل قائلاً : إن «كذبتك » صيغة خبرية ليس فيها استفهام محذوف، وإن «أم » بمعنى بل. ففي البيت على قول الخليل نوع من أنواع البديع المعنوي يسمى «الرجوع ». وقد أوضحنا هذه المسألة وأكثرنا من شواهدها العربية في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في سورة «آل عمران » وذكرنا أن قوله تعالى في آية «الأنبياء » هذه ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ ٣٤﴾ من أمثلة ذلك. والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :﴿أَفَإِيْن مِّتَّ﴾ قرأه نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي «مِتَّ » بكسر الميم. والباقون بضم الميم. وقد أوضحنا في سورة «مريم » وجه كسر الميم. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ٣٤﴾ يُفهم منه أنه لا ينبغي للإنسان أن يفرح بموت أحد لأجل أمر دنيوي يناله بسبب موته. لأنه هو ليس مخلداً بعده.
وروي عن الشافعي رحمه الله أنه أنشد هذين البيتين مستشهداً بهما :
تمنَّى أن رجالٌ أموتَ وإن أمُتفتلك سبيلٌ لست فيها بأوحد
فقل لِلذي يَبْقَى خِلاَف الذي مضىتهيأ لأخرى مثلها فكأن قد

ونظير هذا قول الآخر :
فقل للشامتين بنا أفيقواسيلقى الشامتون كما لقينا


قوله تعالى :﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ٣٥﴾.
المعنى : وتختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، ومما يجب فيه الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر، وقوله ﴿فِتْنَةً﴾ مصدر مؤكد ل﴿وَنَبْلُوكُم﴾ من غير لفظة.
وما ذكره جل وعلا : من أنه يبتلي خلقه أي يختبرهم بالشر والخير قد بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى :﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ١٦٨﴾، وقوله تعالى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ ٤٣ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيء حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ ٤٤ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٤٥﴾ وقوله تعالى :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا في قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍ إِلاَ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ٩٤ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ٩٥﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآيات الكريمة :﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ يدل على أن بلا يبلو تستعمل في الاختبار بالنِّعم، وبالمصائب والبلايا. وقال بعض العلماء : أكثر ما يستعمل في الشرِّ بلا يبلو، وفي الخير أبلى يبلي. وقد جمع اللغتين في الخير قول زهير بن أبي سلمى :
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكموأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ قال : أي نبتليكم بالشر والخير فتنة بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى