فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿[ وَإِذَا ] رَآكَ الذين كَفَرُوا﴾ يعني المستهزئين من المشركين ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هزواً﴾ أي ما يتخذونك إلا مهزوءاً بك، والهزؤ : السخرية، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم :﴿المشركين إِنَّا كفيناك المستهزئين﴾ [الحجر: ٩٥] والمعنى : ما يفعلون بك إلا اتخذوك هزوءاً ﴿أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ هو على تقدير القول، أي يقولون : أهذا الذي، فعلى هذا هو جواب إذا، ويكون قوله :﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هزواً﴾ اعتراضاً بين الشرط وجوابه، ومعنى يذكرها : يعيبها. قال الزجاج : يقال فلان يذكر الناس، أي يغتابهم، ويذكرهم بالعيوب، وفلان يذكر الله، أي يصفه بالتعظيم ويثني عليه، وإنما يحذف مع الذكر ما عقل معناه، وعلى ما قالوا لا يكون الذكر في كلام العرب العيب، وحيث يراد به العيب يحذف منه السوء، قيل : ومن هذا قول عنترة :
أي لا تعيبي مهري، وجملة ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كافرون﴾ في محل نصب على الحال، أي وهم بالقرآن كافرون، أو هم بذكر الرحمن الذي خلقهم كافرون، والمعنى : أنهم يعيبون على النبيّ ﷺ أن يذكر آلهتهم التي لا تضرّ ولا تنفع بالسوء، والحال أنهم بذكر الله سبحانه بما يليق به من التوحيد، أو القرآن كافرون، فهم أحق بالعيب لهم والإنكار عليهم، فالضمير الأوّل مبتدأ خبره كافرون، و " بذكر " متعلق بالخبر، والضمير الثاني تأكيد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السديّ قال :( مرّ النبيّ ﷺ على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان : هذا نبيّ بني عبد مناف، فغضب أبو سفيان فقال : ما تنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبيّ، فسمعها النبيّ ﷺ، فرجع إلى أبي جهل فوقع به وخوّفه وقال :( ما أراك منتهياً حتى يصيبك ما أصاب عمك )، وقال لأبي سفيان :( أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية )، فنزلت هذه الآية :﴿وَإِذَا رَآكَ الذين كَفَرُوا﴾. قلت : ينظر من الذي روى عنه السديّ ؟. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال : لما نفخ في آدم الروح صار في رأسه فعطس فقال : الحمد لله، فقالت الملائكة : يرحمك الله، فذهب لينهض قبل أن تمور في رجليه فوقع، فقال الله :﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾. وقد أخرج نحو هذا ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. وأخرج نحوه أيضاً ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد، وكذا أخرج ابن المنذر عن ابن جريج. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم﴾ قال : يحرسكم، وفي قوله :﴿وَلاَ هُمْ منَّا يُصْحَبُونَ﴾ قال : لا ينصرون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ هُمْ منَّا يُصْحَبُونَ﴾ قال : لا يجارون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في الآية : قال لا يمنعون.
| لا تذكري مهري وما أطعمته | فيكون جلدك مثل جلد الأجرب |