تفسير الشعراوي — الشعراوي

عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول الحق سبحانه وتعالى مفتتحا سورة الأنفال :
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( ١ )﴾ :
السؤال يقتضي سائلا : وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقتضي مسئولا هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقتضي مسئولا عنه وهو موضوع السؤال المطروح.
والمسئول عنه قد يوجد بذاته، مثلما نسأل صديقنا : ماذا أكلت اليوم ؟ هذا السؤال فيه تحديد لمنطقة الجواب، والجواب عنه أيضا يحدد المنطقة.
وموضوع السؤال في قول الله تعالى :
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، ( من الآية ٢٢٢ سورة البقرة )، يدل عليه الجواب، فهم لم يسألوا عن أسباب المحيض، أو لماذا ينقطع عن الحامل أو من بلغت الكبر، لكن موضع السؤال الذي هو واضح من إجابة الحق تبارك وتعالى : أيجوز أن يباشر الرجل المرأة أثناء المحيض أم لا ؟.
وسؤال آخر سألوه للرسول صلى الله عليه وسلم عن اليتامى، ويحدد الجواب موضوع السؤال : يقول الله تعالى :
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، ( من الآية ٢٢٠ من سورة البقرة ).
لأنهم كانوا يتخوفون من مخالطة اليتامى في الأموال ومن مؤاكلتهم، وغير ذلك من ألوان التعامل، ورعا وبعدا عن الشبهات وجاءت الإجابة لتحدد موضوع السؤال. ومرة يأتي السؤال وفيه تحديد مناط الإجابة لأنها عامة مثل قوله الحق تبارك وتعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾( من الآية ١٨٩ من سورة البقرة }.
هم سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم : لماذا يبدأ الهلال صغيرا ولماذا يكبر، ثم لماذا يختفي في المحاق ؟. وهذا سؤال في الفلك. ولم يجبهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلا في الحدود التي يستفيدون منها وهي القيمة النفعية العملية، وجاءت الإجابة :﴿قل هي مواقيت للناس والحج﴾. لأننا ورغم وجودنا في هذا القرن العشرين إلا أن البعض من الناس مازال يكذب الحقيقة العلمية التي ثبتت بما لا يدع مجالا لأي شك. ونقول للعامة : إن الهلال يشبه قلامة الظفر ثم يكبر ليستدير ثم يختفي قليلا قليلا. وفي هذا يقول الشاعر :
وغاية ضوء قمير كنت آملهمثل القلامة قد قدت عن الظفر
ولو قال لهم : إن الهلال يظهر حين يتوسط الأرض بين الشمس والقمر ثم يبدأ في الاكتمال تباعا، لما استطاعت عقولهم أن تستوعب هذه المسألة، فجاء لهم بالحكمة المباشرة النفعية التي تدركها عقولهم تماما، ثم ارتقت العقول بالعلم ووصلنا إلى دراسة حركة الأفلاك التي توضح كل التفاصيل الفلكية.
وهناك سؤال يجيء في أمر محدد، مثل قول الحق :
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾( من الآية ٢١٧ من سورة البقرة }، وهكذا عرفنا أن موضوع السؤال هو عن حكم القتال في الشهر الحرام، لا طلب تحديد الأشهر الحرم بالذات.
ويقول الحق تبارك وتعال هنا :﴿يسألونك عن الأنفال﴾ والأنفال جمع نُفَل ( بفتح الحرف الأول والثاني )، مثل كلمة سَبَب وأسباب، والمراد بالنَفل هنا الغنيمة، لأنها من فضل الله تعالى ومن خصائص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد اختصت بها هذه الأمة دون أمم السابقة، والنفل بالسكون الزيادة، ومنه صلاة النافلة ؛ لأنها زيادة عن الفريضة الواجبة، وفي هذا المعنى يقول ربنا عز وجل في آية ثانية :﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾، ونافلة تعني أمرا زائدا غير مفروض، ولذلك نقول : إن النقل هو العبادة الزائدة، وشرطها أن تكون من جنس ما فُرض عليك ؛ لأن الإنسان لا يعبد ربه حسب هواه الشخصي، بل يعبد العبد ربه بأي لون من ألوان العبادة التي شرعها الله، وإذا أراد زيادة فيها فلتكن من جنس ما فرض الله، حتى لا يبتدع العبد عبادات ليست مشروعة. ولذلك قال الحق تبارك وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم :﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهََّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ( ٧٩ )﴾( سورة الإسراء )، النفل إذن هو أمر تعبدي زائد عن الأصل.
وحينما ابتلى الله سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأن يذبح ولده إسماعيل ؛ جاءه الابتلاء لا بوحي صريح، ولكن برؤيا منامية وهو ابتلاء شاق، فلم يكن الابتلاء-مثلا- أن يذبح إنسان آخر سيدنا إسماعيل، ثم يصبر سيدنا إبراهيم على فقده، لا بل هو الذي يقوم بذبح ولده إسماعيل. وهكذا كان الابتلاء كبيرا، خصوصا أنه لم يأت إلا في آخر العمر. وكانت هذه المسألة من الملابسات القاسية على النفس. ولذلك أوضح ربنا عز وجل أن سيدنا إبراهيم كان أمة، أي اجتمعت فيه صفات الإيمان اللازمة لأمة كاملة.
﴿وإِذِ ابْتلى إِبْراهِيم ربُّهُ بِكلِماتٍ فأتمّهُنّ﴾( من الآية ١٢٤ سورة البقرة )، ولنر رحموت النبوة في سلوك سيدنا إبراهيم عليه السلام حين جاء لينفذ أمر الرؤيا بذبح الابن لأن رؤيا الأنبياء وحي، لذلك لم يشأ أن يأخذ ولده أخذا دون أن يطلعه على الحقيقة ؛ لأنه لو فعل ذلك سيعرض ولده لحظة لهاجس عقوق لأبيه، وقد يقول الابن : أي رجل هذا الذي يذبح ابنه ؟. وأراد سيدنا إبراهيم أن يشاركه ابنه كذلك في الثواب، وأن يكون الابن خاضعا لأمر الحق تبارك وتعالى كأبيه فقال له :﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾( من الآية ١٠٢ سورة الصافات ).
وهكذا أوضح سيدنا إبراهيم عليه السلام الابتلاء الذي جاءه كرؤيا في المنام. فماذا يقول الابن إجابة على سؤال أبيه ؟.
﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( ١٠٢ )﴾( سورة الصافات )، أي أن إسماعيل عليه السلام أسلم زمامه لأمر الحق تبارك وتعالى، ويواصل المولى سبحانه وتعالى وصف ابتلاء سيدنا إبراهيم بذبح الابن فيقول تبارك وتعالى :
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( ١٠٣ ) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ( ١٠٤ ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( ١٠٥ )﴾( سورة الصافات )، فبعد أن رضي كل من سيدنا إبراهيم وابنه سيدنا إسماعيل وسلما أمرهما لله تبارك وتعالى وامتثلا للأمر بالقضاء، رفع الله برحمته هذا القضاء، لذلك يصف الحق تبارك وتعالى هذا البلاء وتكرمه بالفداء فيقول :
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( ١٠٦ ) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( ١٠٧ )﴾( سورة الصافات )
وتعلمنا هذه الواقعة أيها المسلم أنك إذا ما جاء لك قضاء الله، إياك أن تجزع، إياك أن تسخط، إياك أن تغضب، إياك أن تتمرد، لأنك بذلك تطيل أمد القضاء عليك، ولكن سلم لقضاء الله فيُرفع هذا القضاء ؛ لأن القضاء لا يُرفع حتى يُرضى به. وهكذا لم يكن جزاء الصبر على القضاء لسيدنا إبراهيم عليه السلام افتداء إسماعيل بذبح عظيم فقط، بل وزيادة على ذلك يسوق له المولى البشرى بمزيد من العطاء فيقول :
﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( ١١٢ )﴾( سورة الصافات ) أن يذبح ولده، أي أنه لم يرزقه بولد ثان فقط، بل بولد يكون نبيا وصالحا. وتأتي زيادة أخرى في العطاء الرباني لسيدنا إبراهيم عليه السلام فيقول سبحانه وتعالى :
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ( ٧٢ )﴾( سورة الأنبياء )، هكذا يتجلى عطاء المولى سبحانه وتعالى لسيدنا إبراهيم عليه السلام فلا يعطيه الولد الذي يحفظ ذكره فقط، بل يعطيه الولد الذي يحفظ أمانة الدعوة أيضا، وكل ذلك نافلة من الله، أي عطاء كريم زائد وفضل كبير لأبي الأنبياء.
إذن النفل هو الأمر الزائد عن الأصل. ومثال ذلك ما خص به الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركتْه الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة )(١).
إذن تشريع الله للغنائم في الإسلام أمر زائد عن الأصل، لأن الغنائم لفم تحل لأحد من الأنبياء قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم.
وهناك نفل، وهناك غنيمة، وهناك فيء، وهناك قبض.
وسنوجز معنى كل منها :
الغنيمة : هي ما يأخذه المسلمون من الأعداء المهزومين، وتقسم فيما بينهم بنسب معينة، فللرجل المقاتل سهم واحد، وللفارس سهمان، وهذا على سبيل المثال فقط وتقسيمها حسب تشريع الله عز وجل، وسبق بيان النفَل والنفْل بفتح الوسط وسكونه، والفيء هو كل ما هو صار للمسلمين من غير حرب ولا قهر – " والقبَض " بتحريك الوسط بمعنى المقبوض وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم.
لكن إذا جاء ولي الأمر وبين للمقاتلين مشجعا لهم على حركة الحرب مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :( من قتل كافرا فله سلبه )(٢)، فذلك أمر زائد في حصته في الغنيمة.
وقد يبعث القائد سرية ويشجعها على خوض الصعاب فيقول لأفراد تلك السرية : لكم نصف ما غنمتم، أو الربع أو الخمس، فهذا يعني أن من حقهم أن يأخذوا النسبة التي حددها لهم القائد كأمر زائد، ثم تقسم الغنائم من بعد ذلك، وساعة يأخذ المقاتلون الأسلاب والمتاع، والعتاد والأموال من الأسرى، فهذه تسمى غنائم، أما حين تُجمع الغنائم عند ولي الأمر فيصير اسمها القبَض وقد سبق بيانه.
وفي يوم بدر حدثت واقعة يرويها الصحابي الجليل سعد بن مالك رضي الله عنه قائلا :
قلت يا رسول الله : قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، قال عليه الصلاة والسلام :" إن هذا السيف لا لك، ولا لي، فضعه "، قال : فوضعته، ثم رجعت، فقلت : عسى أن يعطى هذا السيف لمن لا يبلى بلائي، قال : فإذا رسول الله يدعوني من ورائي. قال الصحابي : قد أنزل الله في شيئا ؟.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت سألتني السيف، وليس هو لي، وأنه قد وُهب لي، فهو لك، قال : وأنزل الله هذه الآية :﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾( من الآية١ من سورة الأنفال )، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ليحكم في أمر السيف إلا بعد أن ينزل حكم الله عز وجل. ونعلم جميعا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب على غزوة بدر ولم يكن يقصد القتال، بل كان الخروج للعير التي تحمل بضائع قريش القادمة من الشام، وليس معها إلا أربعون رجلا يحرسونها، ولذلك خرج المسلمون وكان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وليس معهم عدة أو
١ رواه البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه وجامع الأحاديث للسيوطي ج ١ ص ٦٣٥.
٢ رواه البيهقي وأبو داود والترمذي عن ابن قتادة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى