جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاببِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ
القول في تفسير السورة التي يذكر فيها الأنفال﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنفَالُ للّهِ وَالرّسُولِ فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مّؤْمِنِينَ﴾. .
اختلف أهل التأويل في معنى الأنفال التي ذكرها الله في هذا الموضع، فقال بعضهم : هي الغنائم، وقالوا : معنى الكلام : يسألك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي غنمتها أنت وأصحابك يوم بدر لمن هي، فقل هي لله ولرسوله. ذكر من قال ذلك.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا وكيع، قال : حدثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن زيد، عن عكرمة : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قال : الأنفال : الغنائم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قال : الأنفال : الغنائم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : الأنفال : المغنم.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك : يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قال : الغنائم.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : الأنْفال قال : يعني الغنائم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قال : الأنفال : الغنائم.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ الأنفال : الغنائم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله : يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قال : الأنفال : الغنائم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : الأنفال : الغنائم.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء : يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قال : الغنائم.
وقال آخرون : هي أنفال السرايا. ذكر من قال ذلك.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا عليّ بن صالح بن حيّ، قال : بلغني في قوله : يَسأَلُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قال : السرايا.
وقال آخرون : الأنفال ما شذّ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو دابّة وما أشبه ذلك. ذكر من قال ذلك.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا جابر بن نوح، عن عبد الملك، عن عطاء، في قوله : يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلّهِ وَالرّسُولِ قال : هو ما شذّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال دابّة أو عبد أو متاع، ذلك للنبيّ ﷺ يصنع فيه ما شاء.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء : يَسألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قال : هي ما شذّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو أمة أو متاع أو نفل، فهو للنبيّ ﷺ يصنع فيه ما شاء.
قال : حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، أن ابن عباس سئل عن الأنفال، فقال : السلَب والفرس.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ويقال : الأنفال : ما أخذ مما سقط من المتاع بعدما تقسم الغنائم، فهي نفل لله ولرسوله.
حدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج : أخبرني عثمان بن أبي سليمان، عن محمد بن شهاب أن رجلاً قال لابن عباس : ما الأنفال ؟ قال : الفرس والدرع والرمح.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال : قال ابن جريج، قال عطاء : الأنفال : الفرس الشاذّ، والدرع، والثوب.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن عباس، قال : كان ينفّل الرجل فرس الرجل وسلبه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد، قال : سمعت رجلاً سأل ابن عباس عن الأنفال، فقال ابن عباس : الفرس من النفل، والسّلب من النفل. ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضا، ثم قال الرجل : الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي ؟ قال القاسم : فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن عباس : أتدرون ما مثل هذا ؟ مثل صَبِيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن القاسم بن محمد، قال : قال ابن عباس : كان عمر رضي الله عنه إذا سئل عن شيء قال : لا آمرك ولا أنهاك. ثم قال ابن عباس : والله ما بعث الله نبيه عليه السلام إلاّ زاجرا آمرا محللاً محرّما. قال القاسم : فسلط على ابن عباس رجل يسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس : كان الرجل ينفّل فرس الرجل وسلاحه. فأعاد عليه الرجل، فقال له مثل ذلك، ثم أعاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس : أتدرون ما مثل هذا ؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر حتى سالت الدماء على عقبيه، أو على رجليه، فقال الرجل : أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا ابن المبارك، عن عبد الملك، عن عطاء : يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قال : يسألونك فيما شذّ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال من دابّة أو عبد، فهو نفل للنبيّ ﷺ.
وقال آخرون : النفل : الخمس الذي جعله الله لأهل الخمس. ذكر من قال ذلك.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قال : هو الخمس. قال المهاجرون : لم يرفع عنا هذا الخمس ؟ لم يخرج منا ؟ فقال الله : هو لله والرسول.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا عباد بن العوّام، عن الحجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أنهم سألوا النبيّ ﷺ عن الخمس بعد الأربعة الأخماس، فنزلت : يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ.
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في معنى الأنفال قول من قال : هي زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش أو جميعهم إما من سلبه على حقوقهم من القسمة، وإما مما وصل إليه بالنفل، أو ببعض أسبابه، ترغيبا له وتحريضا لمن معه من جيشه على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، أو صلاح أحد الفريقين. وقد يدخل في ذلك ما قال ابن عباس من أنه الفرس والدرع ونحو ذلك، ويدخل فيه ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرس لأن ذلك أمره إلى الإمام إذا لم يكن ما وصلوا إليه لغلبة وقهر، يفعل ما فيه صلاح أهل الإسلام، وقد يدخل فيه ما غلب عليه الجيش بقهر.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، لأن النّفَل في كلام العرب إنما هو الزيادة على الشيء، يقال منه : نفلتك كذا، وأنفلتك : إذا زدتك، والأنفال : جمع نَفَل ومنه قول لبيد بن ربيعة :
| إنّ تَقْوَى رَبّنا خَيْرُ نَفَلْ | وبإذن اللّهِ رَيْثي وَعَجَلْ |
واختلف في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية، فقال بعضهم : نزلت في غنائم بدر لأن النبيّ ﷺ كان نفّل أقواما على بلاء، فأبلى أقوام وتخلّف آخرون مع رسول الله ﷺ، فاختلفوا فيها بعد انقضاء الحرب، فأنزل الله هذه الاَية على رسوله، يعلمهم أن ما فعل فيها رسول الله ﷺ، فماض جائز. ذكر من قال ذلك.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا معتمر بن سليمان، قال : سمعت داود بن أبي هند يحدث، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبيّ ﷺ قال :«مَنْ أتَى مَكانَ كَذَا وكَذَا، فَلَهُ كَذَا وكَذَا، أوْ فَعَلَ كَذَا وكَذَا، فَلَهُ كَذَا وكَذَا ». فتسارع إليه الشبان، وبقي الشيوخ عند الرايات. فلما فتح الله عليهم، جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبيّ ﷺ، فقال لهم الأشياخ : لا تذهبوا به دوننا فأنزل الله عليه الاَية : فاتّقُوا اللّهَ وأصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : لما كان يوم بدر، قال رسول الله ﷺ : مَنْ صَنَعَ كَذَا وكَذَا، فَلَهُ كَذَا وكَذَا » قال : فتسارع في ذلك شبان الرجال، وبقيت الشيوخ تحت الرايات فلما كانت الغنائم، جاءوا يطلبون الذي جعل لهم، فقالت الشيوخ : لا تستأثروا علينا، فإنا كنا ردءا لكم، وكنا تحت الرايات، ولو انكشفتم لفئتم إلينا فتنازعوا، فأنزل الله : يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلّهِ وَالرّسُولِ فاتّقُوا اللّهَ وأصْلِحُوا ذَاتِ بَيْنِكُمْ وأطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
حدثني إسحاق بن شاهين، قال : حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : لما كان يوم بدر، قال رسول الله ﷺ :«مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا وكَذَا مِنَ النّفَلِ » قال : فتقدّم الفتيان ولزم المشيخة الرايات، فلم يبرحوا، فلما فتح عليهم، قالت المشيخة : كنا ردءا لكم، فلو انهزمتم انحزتم إلينا، لا تذهبوا بالمغنم دوننا فأبى الفتيان وقالوا : جعله رسول الله ﷺ لنا فأنزل الله : يَسألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلّهِ وَالرّسُولِ قال : فكان ذلك خيرا لهم، وكذلك أيضا : أطيعوني فإني أعلم.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود، عن عكرمة في هذه الاَية : يَسألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلّهِ وَالرّسُولِ قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ :«مَنْ صَنَعَ كَ