تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي
عن الكتاب
يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ :﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ﴾ أي عما هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد ويدخلوا في الإسلام والطاعة والإنابة يغفر لهم ما قد سلف : أي من كفرهم وذنوبهم وخطاياهم، كما جاء في « الصحيح » :« من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالاول والآخر » وفي الصحيح أيضاً، أن رسول الله ﷺ قال :« الإسلام يجبُّ ما قبله والتوبة تجبُّ ما كان قبلها » وقوله :﴿وَإِنْ يَعُودُواْ﴾ أي يستمروا على ما هم فيه، ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ : أي فقد مضت سنتنا في الأولين أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة، قال مجاهد في قوله :﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ أي في قريش يوم بدر وغيرها من الأمم، وقوله تعالى :﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾، قال البخاري عن ابن عمر : أن رجلاص جاء فقال : يا أبا عبد الرحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه :﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ [المؤمنين: ٩] الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال : يا ابن أخي أعيَّر بهذه الآية ولا أقاتل أحب إليّ من أن أعيّر بالآية التي يقول الله، قال عزَّ وجلَّ :﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣] إلى آخر الآية. قال فإن الله تعالى يقول :﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قال ابن عمر : قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ إذ كان الإسلام قليلاً، وكان الرجل يفتن في دينه، إما أن يقتلوه وإما أن يوثقوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، فلما رأى أنه لا يوافقه فيما يريد، قال : فما قولكم في علي وعثمان؟ قال ابن عمر : أما عثمان فكان الله قد عفا عنه وكرهتم أن يعفو الله عنه، وأما علي فابن عم رسول الله ﷺ وختنه وأشار بيده، وهذه ابنته أو بنته حيث ترون. وأتى رجلان في فتنة ابن الزبير إلى ابن عمر فقالا : إن الناس قد صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر بن الخطاب وأنت صاحب رسول الله ﷺ فما يمنعك أن تخرج؟ قال : يمنعني الله أن حرم عليَّ دم المسلم، قالوا : أولم يقل الله :﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ قال : قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله.
وقال الضحاك عن ابن عباس :﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني لا يكون شرك.
وقال الضحاك عن ابن عباس :﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني لا يكون شرك.
وقال عروة بن الزبير :﴿حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حتى لا يفتن مسلم عن دينه، وقوله :﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾، وقال الضحاك عن ابن عباس : يخلص التوحيد لله؛ وقال الحسن وقتادة : أن يقال لا إله إلا الله، أن يكون التوحيد خالصاً لله فليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد، وقال عبد الرحمن بن أسلم :﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ لا يكون مع دينكم كفر، ويشهد لهذا ما ثبت في « الصحيحين » عن رسول الله ﷺ أنه قال :« أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عزَّ وجلَّ » وقوله :﴿فَإِنِ انْتَهَوْاْ﴾ عما هم فيه من الكفر فكفوا عنه، وإن لم تعلموا بواطنهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، كقوله :﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآية. وفي الآية الأخرى :﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدين﴾ [التوبة: ١١]، وقال :﴿فَإِنِ انتهوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين﴾ [البقرة: ١٩٣]. وفي الصحيح « أن رسول الله ﷺ قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال لا إله إلا الله فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله صلى عليه وسلم، فقال لأسامة :» أقتلته بعدما قال لا إلا إلا الله؟ وكيف تصنع بلا إلا الله يوم القيامة «؟ فقال : يا رسول الله إنما قالها تعوذاً، قال :» هلا شققت عن قلبه «، وجعل يقول ويكرر عليه :» من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة «؟ قال أسامة : حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ »، وقوله :﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير﴾ أي وإن استمروا على خلافكم ومحاربتكم ﴿فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ﴾ سيدكم وناصركم على أعدائكم فنعم المولى ونعم النصير.