اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ الآية.
لمَّا أمر بقتال الكفار بقوله تعالى :﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ وعند المقاتلة قد تحصل الغنيمة، ذكر تعالى حكم الغنيمة، والظَّاهرُ أنَّ " ما " هذه موصولةٌ بمعنى " الَّذي "، وكان من حقِّها أن تكتب منفصلةً من " أنَّ " كما كُتبت :﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] منفصلةً، ولكن كذا رُسِمَت. و " غَنِمْتُم " صلتها، وعائدها محذوف لاستكمال الشُّروطِ، أي : غَنِمْتُمُوه.
وقوله " فأنَّ لِلَّهِ " الفاءُ مزيدةٌ في الخبر ؛ لأنَّ المبتدأ ضُمِّن معنى الشَّرطِ، ولا يَضُرُّ دخولُ الناسخ عليه ؛ لأنه لَمْ يُغَيِّر معناه، وهذا كقوله تعالى :﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ﴾ ثم قال :" فَلَهُم " والأخفش مع تجويزه زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً، يمنع زيادتها في الموصول المشبه بالشَّرط إذا دخلت عليه " إنَّ " المكسورة، وآية البروج [ ١٠ ] حُجَّةٌ عليه.
وإذا تقرَّر هذا ف " أنَّ " وما علمتْ فيه في محلِّ رفع على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديره : فواجبٌ أنَّ لله خمسهُ، والجملةُ من هذا المبتدأ والخبر خبر ل " أنَّ ".
وظاهر كلام أبي حيان أنه جعل الفاء داخلةً على :" أنَّ للَّهِ خُمُسَهُ " من غير أن يكون مبتدأ وخبرها محذوف، بل جعلها بنفسها خبراً، وليس مرادهُ ذلك، إذ لا تدخل هذه الفاءُ على مفردٍ، بل على جملةٍ، والذي يُقَوِّي إرادته ما ذكرنا أنه حكى قول الزمخشريِّ، أعني كونه قدَّر أنَّ " أنَّ "، وما في حيِّزها مبتدأٌ، محذوفُ الخبر، فجعلهُ قولاً زائداً على ما قدَّمه.
ويجوز في " ما " أن تكون شرطيةً، وعاملُها " غَنِمْتُم " بعدها، واسمُ " أنَّ " حينئذٍ ضميرُ الأمرِ والشَّأنِ وهو مذهبُ الفرَّاءِ، إلاَّ أنَّ هذا لا يجوزُ عند البصريين إلاَّ ضرورةً، بشرط ألاَّ يليها فعل ؛ كقوله :[ الخفيف ]
إنَّ مَنْ يَدْخُلِ الكَنِيسَة يَوْماًيَلْقَ فِيهَا جَآذِراً وظِبَاءَ(١)
وقول الآخَرِ :[ الخفيف ]
إنَّ مَنْ لامَ بَنِي بنتِ حَسَّانَ ألُمْهُ وأعُصِهِ في الخُطُوبِ(٢)
وقيل : الفاءُ زائدةٌ، و " أنَّ " الثانيةُ بدلٌ من الأولى.
وقال مكي :" وقد قيل " إنَّ الثانية مؤكدةٌ للأولى، وهذا لا يجوز لأنَّ الأولى تبقى بغير خبر ؛ ولأنَّ الفاء تحول بين المؤكَّد والمؤكِّد وزيادتها لا تَحْسُن في مثل هذا ".
وقيل :" ما " مصدريَّةٌ، والمصدر بمعنى المفعول أي : أنَّ مغنومكم هو المفعول به، أي : واعلموا أنَّ غُنمكم، أي : مغنومكم.
والغنيمةُ : أصلها من الغُنْمِ، وهو الفوزُ، يقال : غنم يغنم فهو غانم، وأصلُ ذلك من الغنم هذا الحيوان المعروف، فإنَّ الظفر به يُسَمَّى غُنْماً، ثم اتُّسِع في ذلك، فَسُمِّي كلُّ شيء مظفورٍ به غُنْماً ومَغْنَماً وغَنيمة ؛ قال علقمةُ بنُ عبدةَ :[ البسيط ]
ومُطْعَمُ الغُنْمِ يَوْمَ الغُنْمِ مُطعمُهُأنَّى توَجَّهَ والمَحْرُومُ مَحْرُومُ(٣)
وقال الآخر :[ الوافر ]
لَقَدْ طَوَّفْتُ فِي الآفَاقِ حَتَّىرَضيتُ من الغنيمة بالإياب(٤)
قوله " مِنْ شيءٍ " في محلِّ نصبٍ على الحال من عائد الموصول المقدَّر، والمعنى : ما غنمتموه كائناً من شيء، أي : قليلاً أو كثيراً. وحكى ابن عطية عن الجعفي عن أبي بكر عن عاصم. وحكى غيره عن الجعفيِّ عن هارون عن أبي عمرو :" فإنَّ لِلَّهِ " بكسر الهمزةِ، ويُؤيدُ هذه القراءة قراءة النخعي(٥) " فللَّه خُمُسهُ " فإنها استئناف، وخرجها أبُو البقاءِ على أنَّها وما في حيَّزها في محلِّ رفع، خبراً ل " أنَّ " الأولى.
وقرأ الحسنُ(٦) وعبدُ الوارث عن أبي عمرو :" خُمْسَهُ " بسكون الميم، وهو تخفيفٌ حسن.
وقرأ الجعفيُّ " خِمْسه " بكسر الخاء. قالوا : وتخريجها على أنَّهُ أتبعَ الخاءَ لحركة ما قبلها، وهي هاء الجلالة من كلمة أخرى مستقلة، قالوا : وهي كقراءة من قرأ ﴿والسماء ذَاتِ الحبك﴾ [الذاريات: ٧] بكسر الحاء إتباعاً لكسرة التاء من " ذاتِ " ولمْ يعتدُّوا بالساكن، وهو لامُ التعريف، لأنه حاجزٌ غير حصين.
قال شهاب الدين(٧) " ليت شعري، وكيف يقرأ الجعفيُّ والحالةُ هذه ؟ فإنه إن قرأ كذلك مع ضم الميم فيكون في غاية الثقل، لخروجه من كسرٍ إلى ضمٍّ، وإن قرأ بسكونها وهو الظَّاهرُ فإنه نقلها قراءةً عن أبي عمرو، أو عن عاصم، ولكن الذي قرأ :" ذاتِ الحِبُكِ " يبقى ضمَّه الباء، فيؤدي إلى " فِعُل " بكسر الفاء وضمِّ العين، وهو بناءٌ مرفوض ".
وإنما قلت : إنه يقرأ كذلك ؛ لأنه لو قرأ بكسر التاء لما احتاجوا إلى تأويل قراءته على الإتباع ؛ لأن في " الحُبُك " لغتين : ضمُّ الحاءِ والباءِ، وكسرهما، حتَّى زعم بعضهم أنَّ قراءة الخروج من كسرٍ إلى ضمٍّ من التَّداخل.

فصل


والغنيمةُ في الشريعةِ، والفيء، اسمان لما يُصيبه المسلمون من أموال(٨) الكفار.
فذهب جماعة إلى أنهما واحد، وذهب قومُ إلى أنَّ الغنيمة، ما أصابه المسلمُونَ منهم عَنْوَةً بقتال، والفيء : ما كان من صلح بغير قتال.
قوله " مِن شيءٍ " يعني : من أي شيء كان حتَّى الخيط :﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ ذهب أكثر المفسِّرين والفقهاء إلى أنَّ قوله :" لِلَّه " افتتاح على سبيل التبرُّك، وأضاف هذا المال لنفسه لشرفه. وليس المراد أن سهماً من الغنيمة " لِلَّهِ " مفرداً، فإن الدنيا والآخرة لله عز وجل وهو قول قتادة والحسن وعطاء وإبراهيم والشعبي قالوا : سهم الله وسهم الرسول واحد والغنيمة تقسم خمسة أخماس أربعة أخماسها لِمنْ قاتل عليها، والخُمْسُ لخمسة أصناف كما ذكر الله تعالى ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾(٩).
وقال أبو العالية، وغيره : يقسم الخُمْس على ستة أسهم : سهم لله تعالى، ثم القائلون بهذا القول منهم من قال : يُصرف سهم الله إلى الرسول، ومنهم من قال : يصرفُ لعمارة الكعبة(١٠).
وقال بعضهم : إنه عليه الصلاة والسلام كان يضربُ بيده في هذا الخُمْس فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، وهو الذي سُمِّي " لِلَّهِ ".

فصل


قال القرطبي :" هذه الآية ناسخة لأول السُّورة عند الجمهور، وقد ادَّعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ [الأنفال: ١] وأنَّ أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر، على ما تقدم.
وقيل : إنها مُحكمة غير منسوخة، وأنَّ الغنيمة لرسُولِ الله، وليست مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة، حكاه الماورديُّ عن كثير من أصحاب مالكٍ، واحتجوا بفتح مكَّة وقصَّة حنين، وكان أبو عبيد يقول : افْتَتَحَ رسولُ الله مكَّة عنوةً ومنَّ على أهلها، فردها عليهم، ولم يَقْسِمها، ولم يجعلها فَيْئاً ".

فصل


أجمع العلماءُ على أن قولهُ :﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ ليس على عمومه، وأنَّهُ مخصوصٌ باتفاقهم على أنَّ سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمامُ، وكذلك الأسارى الإمام فيهم مخيَّرٌ، وكذلك الأراضي المغنومة.

فصل


قال الإمامُ أحمدُ : لا يكون السَّلب(١١) (١٢) للقاتل إلاَّ في المبارزة خاصَّة، ولا يخمس وهو قول الشافعيِّ - رضي الله عنه- ؛ ولا يعطى القاتل السَّلب، إلاَّ أن يقيم البيَّنة على قتله.
قال أكثرُ العلماء : يجوزُ شاهد واحد ؛ لحديث أبي قتادة، وقيل : شاهدان.
وقيل : شاهد ويمين، وقيل : يقضى بمجرد دعواه.
قوله :" ولِذِي القُرْبَى " أي : أنَّ سَهْماً من خمس الخمس لذوي القربى، وهم أقارب النبي ﷺ، واختلفوا فيهم.
فقال قومٌ : هم جميع قريش، وقال قومٌ : هم الذين لا تحل لهم الصَّدقة.
وقال مجاهدٌ وعلي بنُ الحسينِ : هم بنُو هاشمٍ وبنو المطلب، وليس لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل منه شيء، وإن كانوا إخوة، لما روي عن جُبير بن مطعم قال " قسَّم رسولُ الله - عليه الصَّلاة والسَّلام - سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب ولم يعط أحداً من بني عبد شمس، ولا لبني نوفل ؛ ولما روى محمدُ بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : لمَّا قسم رسولُ الله ﷺ سهم ذوي القربى بين بني هاشمٍ وبني المطلب أتيته أنا، وعثمان بنُ عفان، فقلنا يا رسُول الله : هؤلاء إخواننا من بني المُطلَّبِ أعطيتهم وتركتنا أو منعتنا، وإنَّما قرابتنا وقرابتهم واحدةً، فقال رسولُ الله ﷺ :" إنَّما بنُو هاشم وبنو المطلب شيءٌ واحدٌ هكذا " وشبَّك بين أصابعه " (١٣)
واختلف العلماءُ في سهم ذوي القربى، هل هو ثابتٌ اليوم ؟ فذهب أكثرهم إلى أنَّهُ ثابت وهو قول مالك والشافعي، وذهب أصحابُ الرَّأي إلى أنَّهُ غير ثابت، وقالوا سهم رسول الله وسهم ذوي القرى مَرْدُودان في الخُمس، فيقسم خمس الغنيمة لثلاثةِ أصناف اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وقال بعضهم : يعطى للفقراء منهم دون الأغنياء، أي : يعطى لفقره لا لقرابته، والكتاب والسنة يدلاَّن على ثبوته وكذا الخلفاء بعد رسُول الله ﷺ كانوا يعطونه، ولا يُفَضل فقير على غني ؛ لأنَّ النبي ﷺ والخلفاء بعده كانوا يعطون العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، وألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة، غير أنه يعطى القريب والبعيد.
وقال : يفضل الذكر على الأنثى فيعطى الرجل سهمين، والأنثى سهماً.
قال القرطبي(١٤) :" ليست اللاَّم في " لِذِي القُرْبَى " لبيان الاستحقاق والملك، وإنّما هي للمصرف والمحل ".
قوله :﴿واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ اليتامى : جمع " يَتيمٍ " وهو الصغير المسلم الذي لا أب له إذا كان فقيراً، و " المَسَاكِين " هم أهْلُ الفاقة والحاجة من المسلمين، و " ابْنِ السَّبيلِ " هو المسافر البعيد عن مالهِ، فهذا مصرف خمس الغنيمة ويقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الغانمين الذين شهدُوا الوقعة، للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه، وللرَّاجل سهم، لما روى ابنُ عمر أنَّ رسول الله ﷺ " أسْهَمَ لرجلٍ ولفرسه ثلاثة أسهم سَهْماً له وسهمين لفرسه " (١٥)
وهذا قولُ أكثر أهل العلم، وإليه ذهب الثوريُّ، والأوزاعيُّ وابن المبارك والشافعيُّ واحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة : للفارس سهمان وللرَّاجلِ سهم، ويرضخ للعبيد، والنسوان، والصبيان إذا حضروا القتال.
قال القرطبيُّ :" إذا خرج العبدُ، وأهلُ الذِّمة وأخذوا مال أهل الحرب فهو لهم ولا يخمس " لأنه لم يوجب عليهم خيل ولا ركاب.
ويقسم العقار الذي استولى عليه المسلمون كالمنقولِ، وعند أبي حنيفة يتخيَّرُ الإمام في العقار بين أن يقسمه بينهم وبين أن يجعله وقْفاً على المصالح.
وظاهر الآية لا يفرق بين العقار والمنقول، ومن قتل مُشركاً استحقَّ سلبه من رأس الغنيمة لما روي عن أبي قتادة أنَّ النبي ﷺ قال :" من قَتل قتيلاً له عليه بيِّنة فله سلبه " (١٦)
والسَّلب
١ البيت للأخطل: ينظر: العمدة ٢/٢٧٣، المغني ١/٣٧، شرح المفصل ٣/١١٥، الهمع ١/١٣٦، والدرر ١/١١٥، والخزانة ١/٤٥٧، شرح شواهد المغني ٢/٩١٨ الأشباه والنظائر ٨/٤٦، أمالي ابن الحاجب ١/١٥٨، ورصف المباني ص ١١٩، شرح الرضي ١/١٠٣، والدر المصون ٣/٤١٩..
٢ البيت للأعشى. ينظر: ديوانه ص ٣٨٥، الإنصاف ص ١٨٠، وخزانة الأدب ٥/٤٢٠-٤٢٢، ١٠/٤٥٠، وشرح أبيات سيبويه ٢/٨٦، وشرح شواهد الإيضاح ص ١١٤، وشرح شواهد المغني ص ٩٢٤، والكتاب ٣/٧٢، والأشباه والنظائر ٨/٤٥، شرح المفصل ٣/١١٥، ومغني اللبيب ص ٦٠٥ وابن الشرجي ١/٢٩٥، وشرح جمل الزجاجي ٢٩٥ والدر المصون ٣/٤٢٠..
٣ ينظر: ديوانه (٢٤) شرح المفضليات ٣/١٣٤٠، والقرطبي ٨/٣ والتهذيب ١٥/٥٥٢ واللسان "أني" والدر المصون ٣/٤٢٠..
٤ البيت لامرىء القيس. ديوانه (٩٩)، والكامل ٢/١٤٣، والعمدة ١/١٠٣، ومجاز القرآن ٢/٢٢٤، والبحر المحيط ٤/٤٩٢، والتهذيب ٩/١٩٧، وشرح المفضليات ١/٤٢١، واللسان "نقب" والدر المصون ٣/٤٢٠..
٥ ينظر: الكشاف ٢/٢٢١، المحرر الوجيز ٢/٥٣١، البحر المحيط ٤/٤٩٣-٤٩٤، الدر المصون ٣/٤٢٠..
٦ ينظر: الكشاف ٢/٢٢١، المحرر الوجيز ٢/٥٣١..
٧ ينظر: الدر المصون ٣/٤٢٠..
٨ الغنيمة في اللغة ما ينال الرجل أو الجماعة بسعي، ومن ذلك قول الشاعر:
وقد طوفت في الآفاق حتىرضيت من الغنيمة بالإياب
وتطلق الغنيمة على الفوز بالشيء بلا مشقة، ومنه قولهم للشيء يحصل عليه الإنسان عفوا بلا مشقة "غنيمة باردة" خصت في عرف الشرع بمال الكفار يظفر به المسلمون على وجه القهر والغلبة وهو تخصيص من الشرح لا تقتضيه اللغة. وقد سمى الشرع المال الواصل من الكفار إلى المسلمين في حال الحرب باسمين، غنيمة وفيء وقد اختلف العلماء فيما هي الغنيمة والفيء –فقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ عنوة من الكفار في الحرب، والفيء ما أخذ عن صلح. وهو قول الشافعي. وقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ من مال منقول، والفيء الأرضون قاله مجاهد، وقال آخرون: الغنيمة والفيء بمعنى واحد.
والغنيمة: اسم لما أخذه المسلمون من الكفار بإيجاف الخيل أو الركاب فما أخذه المسلمون من أهل الذمة أو من الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، وما أخذه الذميون من أهل الحرب لا يسمى غنيمة ولا تجري عليه أحكامها.
وقد صح أن الغنيمة كانت محرمة في الشرائع السابقة، وإنما أبيحت لأمة محمد ﷺ خاصة، قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾. وعد من ما فضل الله به الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو أن رسول الله ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم- ونصرت بالرعب- وأحلت لي الغنائم- وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا- وأرسلت إلى الخلق كافة- وختم بي النبيون" وروى البخاري عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها ولما يبن بها، ولا أحد بنى بيوتا، ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات، وهو ينظر ولادها، فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احسبها علينا فحبست حتى فتح الله عليهم، فجمع الغنائم فجاءت –يعني النار- لتأكلها فلم تطعمها فقال: إن فيكم غلولا، فليبايعني من كل قبيلة رجل فلزقت يد رجل بيده فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده فقال: فيكم الغلول فجاءوا برأس مثل رأس البقرة من الذهب، فوضعوها فجاءت النار فأكلتها، ثم أحل الله لنا الغنائم، ثم رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا".
وبهذه الآية والأحاديث أخذت الغنائم في الإسلام حكم الحل ونزل فيها قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ الآية- بيانا لطريق قسمتها.
والحكمة في حل الغنائم أن المجاهدين لما خرجوا عن أموالهم وأولادهم، وتركوا الاشتغال بأمور معاشهم رغبة في الجهاد في سبيل الله، ونشر دينه وإعلاء كلمته، وعرضوا أنفسهم لركوب الأخطار واستقبال الموت من أبوابه المختلفة، تفضل الله عليهم بإباحة الغنائم لهم تقوية لعزائمهم وحفزا لهممهم وتنشيطا لهم على الجهاد، وكسرا لشوكة الكفار وإذلالا لهم بقتلهم، وأسرهم، وسلب ما يتمتعون به من نعم الله التي أغدقها عليهم، ولم يقوموا بشكرها، وإيذانا بأنهم ليسوا أهلا لها، لعنادهم واستكبارهم عن عبادته.
والمال المغنوم من الكفار إما أن يكون عقارا أو منقولا وقد اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز المن بالمنقول استقلالا على الكفار بل يكون ملكا للمسلمين يجب تخميسه كما ورد في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ الآية- وقال الحنفية: يجوز المن به تبعا كأدوات الزراعة بالقدر الذي يهيىء لهم العمل في الأرض وذلك لتوقف منفعة الأرض على الآلات.
وأما العقار فقد اختلفوا فيه على المذاهب الآتية: فالشافعية، وأحمد في رواية عنه يرون أنه يجب قسمته بين الغانمين كالمنقول، ولا يجوز المن به على الكفار- والمالكية: وأحمد في رواية أخرى يرون أنه يترك لجميع المسلمين، ولا يختص أحد بملك شيء منه، وهذا عند المالكية في غير الدور، أما هي فالمعتمد أنها لا تقسم.
ويرى الحنفية أن الإمام مخير فيه بين القسمة على الغانمين وبين أن يمن به على أهله تمليكا لهم في مقابل ضرب الجزية عليه والخراج على الأرض، ويكونون أحرارا ذمة للمسلمين. ويرى الحنابلة في رواية ثالثة أن الإمام مخير بين قسمتها على الغانمين وبين وقفها على جميع المسلمين، وضرب الخراج عليها قالوا: وهي ظاهر المذهب. .

٩ أثر قتادة. أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٥٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٣٣٦) وعزاه لعبد الرزاق وانظر: معالم التنزيل (٢/٢٤٩).
أثر إبراهيم النخعي. أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٥٠) وانظر معالم التنزيل للبغوي (٢/٢٤٩).
أثر الشعبي. ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٣٣٦) وعزاه إلى عبد الرزاق في "المصنف" وابن أبي شيبة وابن المنذر.
أثر عطاء. ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٣٣٦) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم..

١٠ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٤٩) عن أبي العالية..
١١ السلب هو ثياب القتيل وآلات حربه كالسيف، والرمح، والدرع والدابة التي يركبها والتي تكون بجانبه، وما معه من حلي ومال على خلاف لبعض الفقهاء في بعض ما ذكر..
١٢ اختلف الفقهاء في أن السلب حق للقاتل أو حق للإمام إن شاء وعد بالتنفيل به وإن شاء وضعه في الغنيمة على مذاهب متعددة..
١٣ أخرجه البخاري (٦/٢٨١) كتاب الخمس: باب الدليل على أن الخمس للإمام... حديث (٣١٤٠) وأحمد (٨١١٤، ٨٣، ٨٥) والشافعي (١١٦٠) وأبو داود (٢٩٧٨- ٢٩٨٠) والنسائي (٢/١٧٨) وابن ماجه (٢٨٨١) وأبو عبيد في "الأموال" (٨٤٢) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/١٦٦) والبيهقي (٦/٣٤١) والطبري في "تفسيره" (٦/٢٥٢) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم..
١٤ ينظر: تفسير القرطبي ٨/٩..
١٥ أخرجه أحمد (٢/٢، ٤١) وأبو داود (٢٧٣٣) والدارمي (٢/٢٢٥) وابن ماجه (٢٨٥٤) وابن الجارود (١٠٨٤) والبيهقي (٦/٣٢٥) من حديث ابن عمر.
وأخرجه البخاري أيضا عن ابن عمر (٢/٢١٦) بلفظ: أسهم رسول الله ﷺ للفرس سهمين ولصاحبه سهما..

١٦ أخرجه مالك (٢/٤٥٤-٤٥٥) كتاب الجهاد: باب ما جاء في السلب في النفل حديث (١٨) والبخاري (٦/٢٤٧) كتاب فرض الخمس: باب من لم يخمس الأسلاب حديث (٣١٤٢) ومسلم (٣/١٣٧٠) كتاب الجهاد والسير: باب استحقاق القاتل سلب القتيل حديث (٤١/١٧٥١) وأبو داود (٢٧١٧) وابن ماجه (٢/٩٤٦) كتاب الجهاد: باب المبارزة والسلب حديث (٢٨٣٧) وأحمد (٥/٢٩٥، ٢٦٠) من حديث أبي قتادة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى