التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
وبعد هذا الحديث المتنوع عن مكر الكافرين وعن دعاويهم الكاذبة، وعن وجوب مقاتلتهم إذا ما استمروا في طغيانهم وعدوانهم.. بعد كل ذلك بين - سبحانه - للمؤمنين كيفية قسمة الغنائم التي كثيرا ما تترب على قتال أعدائهم، فقال - تعالى - :﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ...﴾.
وقوله :﴿غَنِمْتُمْ﴾ من الغنم بمعنى الفوز والربح يقال : غنم غنما وغنيمة إذا ظفر بالشئ قال القرطبى ما ملخصه : الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعى، ومن ذلك قول الشاعر :
وقد طوفت في الآفاق حتى... رضيت من الغنيمة بالإِياب
واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله - تعالى - :﴿غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر.
وسمى الشرع الواصل من الكافر إلينا من الأموال باسمين : غنيمة وفيئا. فالشئ الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعى وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة. ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا.
والفئ مأخوذ من فاء يفئ إذا رجع، وهو كل ما دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف. كخراج الأرضين، وزية الجماجم.
والمعنى : الاجمالى للآية الكريمة :﴿واعلموا﴾ - أيها المسلمون - ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أى : ما أخذتموه من الكفار قهراً ﴿فَأَنَّ للَّهِ﴾ الذي منه - سبحانه - النصر المتفرع عليه الغنيمة ﴿خُمُسَهُ﴾ أي خمس ما غنمتموه شكرا له على هذا النعمة ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ الذي هو سبب في هدايتكم ﴿وَلِذِي القربى﴾ أى : ولأصحاب القرابة من رسول الله - ﷺ والمراد بهم على الراجح بن هاشم وبنو المطلب.
﴿واليتامى﴾ وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم قبل أن يبلغوا.
﴿والمساكين﴾ وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين.
﴿وابن السبيل﴾ وهو المسافر الذي نفد ماله وهو في الطريق قبل أن يصل إلى بلده.
وقوله ﴿واعلموا﴾ معطوف على قوله قبل ذلك ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ...﴾ الخ و ﴿مَا﴾ في قوله :﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ موصولة والعائد محذوف.
وقوله :﴿مِّن شَيْءٍ﴾ بيان الموصول محله النصب على أنه حال من العائد المقدر.
أى : أن ما غنمتموه من شئ سواء أكان هذا الشئ قليلا أم كثيرا ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾.
وقوله :﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ خبر مبتدأ محذوف والتقدير : فحكمه أن لله خمسة والجار والمجرور خبر ﴿أَنَّ﴾ مقدم، وخمسة اسمها مؤخر. والتقدير : فأن خمسه كائن لله وللرسول ولذى القربى.. إلخ.
وأعيدت اللام في قوله ﴿وَلِذِي القربى﴾ دون غيرهم من الأصناف التالية لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبى - ﷺ - لمزيد اتصالهم به.
وقوله :﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله...﴾ شرط جزاؤه محذوف.
أى : إن كنتم آمنتم بالله حق الإِيمان، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا محمد - ﷺ - ﴿يَوْمَ الفرقان﴾ أي يوم بدر ﴿يَوْمَ التقى الجمعان﴾ أى : جمع المؤمنين وجمع الكافرين.. إن كنتم آمنتم بكل ذلك، فاعملوا بما علمتم، وارضوا بهذه القسمة عن إذعان وتسليم وحسن قبول.
وما أنزله الله على نبيه - ﷺ - يوم بدر.
يتناول ما نزل من آيات قرآنية، كما يتناول نزول الملائكة لتثبيت المؤمنين، وتبشيرهم بالنصر كما يتناول غير ذلك مما أيدهم الله به في بدر.
وسمى يوم بدر بيوم الفرقان، لأنه اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل وقوله ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تذييل قصد به بيان أن ما أصابه المؤمنون يوم بدر من غنيمة ونصر إنما هو بقدرة الله التي لا يعجزها شئ فعليهم أن يداموا على طاعته وشكره ليزيدهم من عطائه وفضله.
هذا، وقد ذكر العلماء عند تفسيره لهذه الآية جملة من المسائل والأحكام من أهمها ما يأتى :
١- أن هذه الآية وضحت أن غنائم الحرب تخمس فيجعل الخمس الأول منها لله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، والأربعة الأخماس الباقية بينت السنة أنها تقسم على الجيش : للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم أو سهمان.
قال ابن كثير : ويؤيد هذا ما رواه البيهقى بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال : أتيت النبى - ﷺ -، وهو بوادى القرى، وهو معترض فرسا فقلت : يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة، فقال : لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش، قلت : فما أحد أولى به من أحد، قال : لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم.
وقال بعض العلماء : أفادت الآية أن الواجب في المغنم تخميسه، وصرف الخمس إلى من ذكره الله - تعالى - وقسمه الباقى بين الغانمين بالعدل، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه. هكذا قسم النبى - ﷺ الغنائم عام خيبر.
ومن الفقهاء من يقول : للفارس سهمان. والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤمنة نفسه وسائسه، ومنفعة الفارس بن أكثر من منفعة رجلين.
ويجب قسمتها بينهم بالعدل، فلا يحابى أحدا، لا لرياسته ولا لنسبه ولا لفضله وفى صحيح البخارى " أن سعد بن أبى وقاص رأى أن له فضلا على من دونه، فقال النبى - ﷺ - " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم "
ذهب جمهور العلماء إلى ان المقصود بإِيتاء لفظ الجلالة في قوله ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ : التبرك والتعظيم والحض على إخلاص النية عند القسمة وعلى الامتثال والطاعة له - سبحانه -.
وليس المقصود أن يقسم الخمس على ستة منها الله - تعالى -، فإنه سبحانه - له الدنيا والآخرة، وله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما.
وعليه يكون خمس الغنيمة مقسما على خمسة أقسام : للرسول، ولذى القربى واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
ويرى أبو العالية والربيع والقاسم أن هذا الخمس يقسم إلى ستة أقسام، عملا بظاهر الآية، وأن سهم الله - تعالى - يصرف في وجوه الخير، أو يؤخذ للكعبة.
وقد رجح ابن جرير رأى الجمهور فقال : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب من قال : قوله ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ افتتاح كلام، وذلك لاجتماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم. ولو كان لله فيه سهم - كما قال ابو العالية - لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم. وإنما اختلف أهل العلم في قسمه على خمسة فما دونها.
فأما على أكثر من ذلك فلا نعلم قائلا غير الذي ذكرناه من الخبر عن أبى العالية. وفى إجماع من ذكرت - الدلالة الواضحة على ما اخترناه.
وسهم النبى - ﷺ - جعله الله - تعالى - له في قوله ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ كان مفوضا إليه في حياته، يتصرف فيه كما شاء، ويضعه حيث يشاء.
روى الإِمام أحمد " أن أبا الدرداء قال لعبادة بن الصامت : يا عبادة، ما كلمات رسول الله - ﷺ - في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس ؟ فقال عبادة : إن رسول الله - ﷺ - صلى بهم في غزوهم إلى بعير من المقسم. فلما سلم قام رسول الله - ﷺ - فتناول وبرة فقال : إن هذه من غنائمكم، وأنه ليس لى فيها إلا نصيبى معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلو نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله تبارك وتعالى القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا الحدود في الحضر والسفر، وجاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. ينجى الله به من الغم والهم "، قال ابن كثير : هذا حديث حسن عظيم.
وروى أبو داود والنسائى " عن عمور بن عبسة، أن رسول الله - ﷺ - صلى بهم إلى بعير من الغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال : ولا يحل لى من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردودة عليكم ".
هذا بالنسبة لسهمه - ﷺ - في حياته، أما بعد وفاته، فمنهم من يرى : أن سهمه - ﷺ - يكون لمن يلى الأمر من بعده. روى هذا عن أبى بكر وعلى قتادة وجماعة..
ومنهم من يرى أن سهمه - ﷺ - يصرف في مصالح المسلمين. روى ابن جرير عن الأعمش عن إبراهيم قال : كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبى - ﷺ - في الكراع والسلاح.
ومنهم من يرى صرفه لبقية الأصناف : ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال : والصواب من القول في ذلك عندنا : ان سهم رسول الله - ﷺ - مردود في الخمس، والخمس مقسوم على أربعة اسهم على ما روى عن ابن عبسا : للقرابة سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم، لأن الله - تعالى - أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات، كما أوجب الأربعة الأخماس الآخرين. وقد اجمعوا أن حق أهل الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم، فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم، فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم..
٤- المراد بذى القربى - كما سبق أن أشرنا - بنو هاشم وبنو المطلب على الراجح. وعليه فإن السهم المخصص لذى القربى لا يصرف إلى لهم.
قال القرطبى ما ملخصه : اختلف العلماء في ذوى القربى على ثلاثة أقوال :
أولها : أن المراد بهم بنو هاشم وبنو المطلب. " قاله الشافعى وأحمد وأبو ثور ومجاهد.. لأن النبى - ﷺ - لما قسم سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلق قال : " إنهم لم يفارقونى في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد " وشبك بين أصابعه " أخرجه البخارى والنسائى.
ثالثها : أن المراد بهم بنو هاشم خاصة. قاله مجاهد وعلى بن الحسين. وهو قول مالك والثورى والأوزاعى وغيرهم.
وقال الآلوسى : وكيفية القسمة عند الأصحاب أنها كانت على عهد رسول الله - ﷺ - على خمسة أسهم سهم له - ﷺ - للمذكورين من ذوى القربى، وثلاثة أسهم للاصناف الثلاثة الباقية.
وأما بعد وفاته - ﷺ - فسقط سهمه.. وكذا سقط سهم ذوى القربى، وإنما يعطون بالفقر، ويقدم فقراؤهم على فقراء غيرهم، ولا حق لأغنيائهم، لأن الخلفاء الأربعة قسموا الخمس كذلك وكفى بهم قدوة..
ثم قال : ومذهب المالكية أن الخمس لا يلزم تخمسه، وأنه مفوض إلى رأى الإِمام.
- أي انهم يرون أن خمس الغنيمة يجعل في بيت المال فينفق منه على ما ذكر وعلى غيرهم بحسب ما يراه الأمام من مصلحة المسلمين، وكأنهم يرون أن هذه الأصناف إنما ذكرت على سبيل المثال، وأنها من باب الخاص الذي قصد به العام، بينما يرى غيرهم أن هذه الاصناف من باب الخاص الذي قصد به الخاص.
ثم قال : ومذهب الإِمامية أنه ينقسم إلى ستة أسهم كما ذهب أبو بالعالية، إلا أنهم قالوا : إن سهم الله - تعالى -، وسهم رسوله - ﷺ - وسهم ذوى القربى الكل للإِمام القائم مقام الرسول - ﷺ - أما الاسهم الثلاثة الباقية فهم لليتامى من آل محمد - ﷺ - وسهم لمساكينهم، وسهم لآبناء سبيلهم، لا يشركهم في ذلك غيرهم.
رووا ذلك عن زين العابدين، ومحمد بن على الباقر.
ثم قال : والظاهر أن الاسهم الثلاثة الأولى التي ذكروها اليوم تخبأ في السرداب، إذ القام مقام الرسول - صلى الله عليه
وقوله :﴿غَنِمْتُمْ﴾ من الغنم بمعنى الفوز والربح يقال : غنم غنما وغنيمة إذا ظفر بالشئ قال القرطبى ما ملخصه : الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعى، ومن ذلك قول الشاعر :
وقد طوفت في الآفاق حتى... رضيت من الغنيمة بالإِياب
واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله - تعالى - :﴿غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر.
وسمى الشرع الواصل من الكافر إلينا من الأموال باسمين : غنيمة وفيئا. فالشئ الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعى وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة. ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا.
والفئ مأخوذ من فاء يفئ إذا رجع، وهو كل ما دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف. كخراج الأرضين، وزية الجماجم.
والمعنى : الاجمالى للآية الكريمة :﴿واعلموا﴾ - أيها المسلمون - ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أى : ما أخذتموه من الكفار قهراً ﴿فَأَنَّ للَّهِ﴾ الذي منه - سبحانه - النصر المتفرع عليه الغنيمة ﴿خُمُسَهُ﴾ أي خمس ما غنمتموه شكرا له على هذا النعمة ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ الذي هو سبب في هدايتكم ﴿وَلِذِي القربى﴾ أى : ولأصحاب القرابة من رسول الله - ﷺ والمراد بهم على الراجح بن هاشم وبنو المطلب.
﴿واليتامى﴾ وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم قبل أن يبلغوا.
﴿والمساكين﴾ وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين.
﴿وابن السبيل﴾ وهو المسافر الذي نفد ماله وهو في الطريق قبل أن يصل إلى بلده.
وقوله ﴿واعلموا﴾ معطوف على قوله قبل ذلك ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ...﴾ الخ و ﴿مَا﴾ في قوله :﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ موصولة والعائد محذوف.
وقوله :﴿مِّن شَيْءٍ﴾ بيان الموصول محله النصب على أنه حال من العائد المقدر.
أى : أن ما غنمتموه من شئ سواء أكان هذا الشئ قليلا أم كثيرا ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾.
وقوله :﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ خبر مبتدأ محذوف والتقدير : فحكمه أن لله خمسة والجار والمجرور خبر ﴿أَنَّ﴾ مقدم، وخمسة اسمها مؤخر. والتقدير : فأن خمسه كائن لله وللرسول ولذى القربى.. إلخ.
وأعيدت اللام في قوله ﴿وَلِذِي القربى﴾ دون غيرهم من الأصناف التالية لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبى - ﷺ - لمزيد اتصالهم به.
وقوله :﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله...﴾ شرط جزاؤه محذوف.
أى : إن كنتم آمنتم بالله حق الإِيمان، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا محمد - ﷺ - ﴿يَوْمَ الفرقان﴾ أي يوم بدر ﴿يَوْمَ التقى الجمعان﴾ أى : جمع المؤمنين وجمع الكافرين.. إن كنتم آمنتم بكل ذلك، فاعملوا بما علمتم، وارضوا بهذه القسمة عن إذعان وتسليم وحسن قبول.
وما أنزله الله على نبيه - ﷺ - يوم بدر.
يتناول ما نزل من آيات قرآنية، كما يتناول نزول الملائكة لتثبيت المؤمنين، وتبشيرهم بالنصر كما يتناول غير ذلك مما أيدهم الله به في بدر.
وسمى يوم بدر بيوم الفرقان، لأنه اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل وقوله ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تذييل قصد به بيان أن ما أصابه المؤمنون يوم بدر من غنيمة ونصر إنما هو بقدرة الله التي لا يعجزها شئ فعليهم أن يداموا على طاعته وشكره ليزيدهم من عطائه وفضله.
هذا، وقد ذكر العلماء عند تفسيره لهذه الآية جملة من المسائل والأحكام من أهمها ما يأتى :
١- أن هذه الآية وضحت أن غنائم الحرب تخمس فيجعل الخمس الأول منها لله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، والأربعة الأخماس الباقية بينت السنة أنها تقسم على الجيش : للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم أو سهمان.
قال ابن كثير : ويؤيد هذا ما رواه البيهقى بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال : أتيت النبى - ﷺ -، وهو بوادى القرى، وهو معترض فرسا فقلت : يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة، فقال : لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش، قلت : فما أحد أولى به من أحد، قال : لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم.
وقال بعض العلماء : أفادت الآية أن الواجب في المغنم تخميسه، وصرف الخمس إلى من ذكره الله - تعالى - وقسمه الباقى بين الغانمين بالعدل، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه. هكذا قسم النبى - ﷺ الغنائم عام خيبر.
ومن الفقهاء من يقول : للفارس سهمان. والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤمنة نفسه وسائسه، ومنفعة الفارس بن أكثر من منفعة رجلين.
ويجب قسمتها بينهم بالعدل، فلا يحابى أحدا، لا لرياسته ولا لنسبه ولا لفضله وفى صحيح البخارى " أن سعد بن أبى وقاص رأى أن له فضلا على من دونه، فقال النبى - ﷺ - " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم "
ذهب جمهور العلماء إلى ان المقصود بإِيتاء لفظ الجلالة في قوله ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ : التبرك والتعظيم والحض على إخلاص النية عند القسمة وعلى الامتثال والطاعة له - سبحانه -.
وليس المقصود أن يقسم الخمس على ستة منها الله - تعالى -، فإنه سبحانه - له الدنيا والآخرة، وله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما.
وعليه يكون خمس الغنيمة مقسما على خمسة أقسام : للرسول، ولذى القربى واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
ويرى أبو العالية والربيع والقاسم أن هذا الخمس يقسم إلى ستة أقسام، عملا بظاهر الآية، وأن سهم الله - تعالى - يصرف في وجوه الخير، أو يؤخذ للكعبة.
وقد رجح ابن جرير رأى الجمهور فقال : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب من قال : قوله ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ افتتاح كلام، وذلك لاجتماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم. ولو كان لله فيه سهم - كما قال ابو العالية - لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم. وإنما اختلف أهل العلم في قسمه على خمسة فما دونها.
فأما على أكثر من ذلك فلا نعلم قائلا غير الذي ذكرناه من الخبر عن أبى العالية. وفى إجماع من ذكرت - الدلالة الواضحة على ما اخترناه.
وسهم النبى - ﷺ - جعله الله - تعالى - له في قوله ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ كان مفوضا إليه في حياته، يتصرف فيه كما شاء، ويضعه حيث يشاء.
روى الإِمام أحمد " أن أبا الدرداء قال لعبادة بن الصامت : يا عبادة، ما كلمات رسول الله - ﷺ - في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس ؟ فقال عبادة : إن رسول الله - ﷺ - صلى بهم في غزوهم إلى بعير من المقسم. فلما سلم قام رسول الله - ﷺ - فتناول وبرة فقال : إن هذه من غنائمكم، وأنه ليس لى فيها إلا نصيبى معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلو نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله تبارك وتعالى القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا الحدود في الحضر والسفر، وجاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. ينجى الله به من الغم والهم "، قال ابن كثير : هذا حديث حسن عظيم.
وروى أبو داود والنسائى " عن عمور بن عبسة، أن رسول الله - ﷺ - صلى بهم إلى بعير من الغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال : ولا يحل لى من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردودة عليكم ".
هذا بالنسبة لسهمه - ﷺ - في حياته، أما بعد وفاته، فمنهم من يرى : أن سهمه - ﷺ - يكون لمن يلى الأمر من بعده. روى هذا عن أبى بكر وعلى قتادة وجماعة..
ومنهم من يرى أن سهمه - ﷺ - يصرف في مصالح المسلمين. روى ابن جرير عن الأعمش عن إبراهيم قال : كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبى - ﷺ - في الكراع والسلاح.
ومنهم من يرى صرفه لبقية الأصناف : ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال : والصواب من القول في ذلك عندنا : ان سهم رسول الله - ﷺ - مردود في الخمس، والخمس مقسوم على أربعة اسهم على ما روى عن ابن عبسا : للقرابة سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم، لأن الله - تعالى - أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات، كما أوجب الأربعة الأخماس الآخرين. وقد اجمعوا أن حق أهل الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم، فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم، فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم..
٤- المراد بذى القربى - كما سبق أن أشرنا - بنو هاشم وبنو المطلب على الراجح. وعليه فإن السهم المخصص لذى القربى لا يصرف إلى لهم.
قال القرطبى ما ملخصه : اختلف العلماء في ذوى القربى على ثلاثة أقوال :
أولها : أن المراد بهم بنو هاشم وبنو المطلب. " قاله الشافعى وأحمد وأبو ثور ومجاهد.. لأن النبى - ﷺ - لما قسم سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلق قال : " إنهم لم يفارقونى في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد " وشبك بين أصابعه " أخرجه البخارى والنسائى.
ثالثها : أن المراد بهم بنو هاشم خاصة. قاله مجاهد وعلى بن الحسين. وهو قول مالك والثورى والأوزاعى وغيرهم.
وقال الآلوسى : وكيفية القسمة عند الأصحاب أنها كانت على عهد رسول الله - ﷺ - على خمسة أسهم سهم له - ﷺ - للمذكورين من ذوى القربى، وثلاثة أسهم للاصناف الثلاثة الباقية.
وأما بعد وفاته - ﷺ - فسقط سهمه.. وكذا سقط سهم ذوى القربى، وإنما يعطون بالفقر، ويقدم فقراؤهم على فقراء غيرهم، ولا حق لأغنيائهم، لأن الخلفاء الأربعة قسموا الخمس كذلك وكفى بهم قدوة..
ثم قال : ومذهب المالكية أن الخمس لا يلزم تخمسه، وأنه مفوض إلى رأى الإِمام.
- أي انهم يرون أن خمس الغنيمة يجعل في بيت المال فينفق منه على ما ذكر وعلى غيرهم بحسب ما يراه الأمام من مصلحة المسلمين، وكأنهم يرون أن هذه الأصناف إنما ذكرت على سبيل المثال، وأنها من باب الخاص الذي قصد به العام، بينما يرى غيرهم أن هذه الاصناف من باب الخاص الذي قصد به الخاص.
ثم قال : ومذهب الإِمامية أنه ينقسم إلى ستة أسهم كما ذهب أبو بالعالية، إلا أنهم قالوا : إن سهم الله - تعالى -، وسهم رسوله - ﷺ - وسهم ذوى القربى الكل للإِمام القائم مقام الرسول - ﷺ - أما الاسهم الثلاثة الباقية فهم لليتامى من آل محمد - ﷺ - وسهم لمساكينهم، وسهم لآبناء سبيلهم، لا يشركهم في ذلك غيرهم.
رووا ذلك عن زين العابدين، ومحمد بن على الباقر.
ثم قال : والظاهر أن الاسهم الثلاثة الأولى التي ذكروها اليوم تخبأ في السرداب، إذ القام مقام الرسول - صلى الله عليه