الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله(١) :﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾[ ٤١ ] الآية.
هذه الآية تعليم من الله(٢) عز وجل، للمؤمنين أن كل ما غنموه من غنيمة، وهو : " الفيء " (٣).
وقيل : " الغنيمة " : ما أُخِذ عنوة، و " الفيء " : ما أُخذ صلحا(٤).
ف :" الغنيمة " : أربعة أخماسها لمن شهد القتال، للراجل(٥) : سهم، وللفارس(٦) : سهمان(٧).
والصلح(٨) على ما صولحوا(٩) عليه، وليس فيه خمس(١٠)، إنما هو لمن سمى الله(١١) عز وجل، في قوله :﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾(١٢).
وقيل : " الغنيمة "، و " الفيء " واحد، فيه الخمس في " الحشر " قاله قتادة(١٣).
وقوله :﴿لله خمسه﴾[ ٤١ ].
مفتاح(١٤) كلام، والدنيا والآخرة لله عز وجل/وكان النبي ﷺ، يقسم " الخمس " على خمسة : فخمس لله وخمس لرسوله هو[ خمس ](١٥) واحد(١٦).
وقيل : إن خمس لخمس لله وللرسول، كان النبي ﷺ، يقبض في " الخمس " قبضة فيجعله للكعبة، ثم يقسم باقي الخمس إلى خمسة(١٧).
وقال ابن عباس : لم يكن النبي ﷺ، يأخذ من " الخمس " شيئا، إنما كان يعطي ذلك لقرابته مع نصيبهم(١٨).
وقد أجمعوا على أن " الخمس " لا يقسم على ستة(١٩).
ومذهب الشافعي أن يقسم الآن على : خمسة، فيجعل جزء فيما كان للنبي ﷺ، يجعله، وذلك أن يجعل تقوية للمسلمين، وكذا روي أنه كان يفعل، ويعطي الأربعة الأخماس : الخمس ﴿لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ سهما سهما(٢٠).
وقال أبو حنيفة : يقسم الخمس على ثلاثة : للفقراء(٢١) ثلث، وللمساكين ثلث، ولابن السبيل ثلث ؛ لأن النبي ﷺ قال :: " لا نورث ما تركنا صدقة " (٢٢)، فسقط خمس رسول الله(٢٣) ﷺ وخمس ذوي القربى(٢٤).
ومذهب مالك رضي الله عنه : أن الإمام يعطي من رأى من هؤلاء المذكورين من هو أحوج، فإذا جعلت في بعض دون بعض جاز(٢٥).
ومعنى ﴿ولذي(٢٦) القربى﴾[ ٤١ ].
هم قرابة رسول الله ﷺ، من بني هاشم(٢٧).
وقال أبو سعيد الخدري عن ابن عباس : إنهم قريش كلهم(٢٨).
﴿واليتامى﴾[ ٤١ ].
أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم(٢٩).
﴿والمساكين﴾[ ٤١ ].
أهل الفاقة(٣٠).
﴿وابن السبيل﴾ [ ٤١ ].
المجتاز(٣١) مسافرا قد انقطع به(٣٢).
﴿إن كنتم آمنتم بالله﴾[ ٤١ ].
أي : صدقتم بتوحيده، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا(٣٣).
﴿يوم الفرقان﴾[ ٤١ ].
وهو يوم بدر، فرق فيه بين الحق والباطل(٣٤).
﴿يوم التقى الجمعان﴾[ ٤١ ].
يعني : جمع المسلمين وجمع المشركين(٣٥)، وهو أول مشهد شهده رسول الله ﷺ، كان المشركون ما بين الألف والتسعمئة(٣٦) والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فقتل من المشركين أزيد من سبعين، وأسر مثل ذلك(٣٧).
وقال بعض نحويي(٣٨) البصرة قوله :﴿إن كنتم آمنتم بالله﴾، متعلق بقوله :﴿نعم المولى ونعم النصير﴾(٣٩).
وقيل : هو متعلق بما قيل من ذكر الغنيمة وقسمتها، وجواب الشرط محذوف، والمعنى : إن كنتم [ آمنتم ](٤٠) بالله فاقبلوا ما أمرتم به(٤١).
﴿والله على كل شيء قدير﴾[ ٤١ ].
أي : على إهلاك(٤٢) أهل(٤٣) الكفر، وغير ذلك مما يشاء قدير(٤٤).
١ زيادة من "ر" وفي الأصل: حزب..
٢ في جامع البيان ١٣/٥٤٥: "... وهذا تعليم من الله عز وجل، المؤمنين قسم غنائمهم إذا غنموها"..
٣ في رأي من يرى أن "الفيء" و"الغنيمة" بمعنى واحد، وهو قول قتادة في جامع البيان ١٣/٥٤٦، وتفسير الماوردي ٢/٣١٩، والمحرر الوجيز ٢/٥٢٨، وتفسير القرطبي ٨/٣..
٤ وهو قول سفيان الثوري في جامع البيان ١٣/٥٤٥، والمحرر الوجيز ٢/٥٢٨، وتفسير القرطبي ٨/٣، وزاد نسبته إلى عطاء بن السائب. وعزاه ابن العربي في أحكام القرآن ٢/٨٥٥، إلى الشافعي..
٥ في الأصل: للرجال، وهو تحريف، ويطلق "الرجل" على "الراجل"، وهو خلاف الفارس، وجمع الراجل: رجل، مثل: صاحب وصحب، ورجّاله، ورُجال. المصباح / رجل..
٦ في الأصل: وللفراس، وهو تحريف، والفرس: يقع على الذكر والأنثى... ، وراكبه: فارس، أي: صاحب فرس، وهو مثل لابن وتامر، ويجمع على فوارس، وهو شاذ لا يقاس عليه. المختار/فرس. انظر: المصباح/فرس..
٧ وهو ما ذهب إليه عامة أهل العلم: مالك ومن تبعه من أهل المدينة، والأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام، والثوري ومن وافقه من أهل العراق، والليث بن سعد ومن تبعه من أهل مصر، والشافعي وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ويعقوب، ومحمد، كما في تفسير القرطبي ٨/١١، باختصار يسير، ولمزيد بيان انظر: الإشراف ٢/٩٣٩، والكافي ٢١٤، ودلائل الأحكام ٤/١٨٨، وبداية المجتهد ٦/٦٢، والقوانين الفقهية ١٧٣، وشرح الزرقاني على الموطأ ٣/٣٨..
٨ كذا في المخطوطتين. وفي جامع البيان ١٣/٥٤٦،:"... ، عن سفيان الثوري قال:... و"الفيء": ما صولحوا عليه بغير قتال..." ونص عليه المؤلف في الإيضاح ٤٣٠..
٩ في الأصل: صلحوا، وهو تحريف..
١٠ وهو قول الجمهور، عدا الشافعي رضي الله عنه، انظر: التمهيد ٢٠/٤٧، وبداية المجتهد ٦/٣٦.
والقوانين الفقهية ١٧٠..

١١ هو طرف من قول سفيان الثوري السالف الذكر. انظره بتمامه في جامع البيان ١٣/٥٤٥، ٥٤٦..
١٢ الحشر آية ٧ وتمامها: ﴿فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾.
انظر: جامع البيان ١٤/٤٧، وما بعدها، والتمهيد ٢٠/٤٧، وما بعدها، والإشراف ٢/٣٣٩، وأحكام القرآن لابن العربي ٤/١٧٥٩، ودلائل الأحكام ٤/٢٠٦، وما بعدها، وتفسير القرطبي ١٨/٩، وما بعدها، والتسهيل ٤/١٠٨، والمسوى شرح الموطأ ٢/٣١٧، ٣١٨..

١٣ جامع البيان ١٣/٥٤٦.
رجح مكي في الإيضاح ٤٣٠، إحكام آية الحشر، وهو اختيار الطبري في جامع البيان ١٣/٥٤٧، وابن العربي في الناسخ والمنسوخ ٢/٢٣٢، وفي كلامه نفاسة، فتأمله. وابن عطية في المحرر ٢/٥٢٩، وابن كثير في التفسير ٢/٣١٠، وابن جزي في التسهيل ٤/١٠٨..

١٤ انظر: النوادر والزيادات ٣/٣٨٦.
قال البغوي في تفسيره ٣/٣٥٧، "ذهب أكثر المفسرين والفقهاء إلى أن قوله: ﴿لله﴾ افتتاح كلام على سبيل التبرك، وليس المراد منه أن سهما في الغنيمة لله مفردا..." وإنما معنى الكلام: فإن للرسول خمسة، كما في جامع البيان ١٣/٥٤٨..

١٥ زيادة من "ر"..
١٦ وهو قول الحسن بن محمد بن الحنفية، وابن عباس، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، كما في جامع البيان ١٣/٥٤٨-٥٥٠، الذي نقل عنه مكي بتصرف انظر: تفسير ابن كثير ٢/٣١١..
١٧ وهو قول أبي العالية الرياحي في جامع البيان ١٣/٥٥٠، ٥٥١، وتفسير الماوردي ٢/٣١٩، وتفسير البغوي ٣/٣٥٧، وفيه ترجيح القول الأول، وزاد المسير ٣/٣٥٩، وفيه: "وهذا مما انفرد به أبو العالية فيما يقال"، وتفسير ابن كثير ٢/٣١٠..
١٨ جامع البيان ١٣/٥٥١، بتصرف، وهو قول ثالث. والاختيار فيه الأول: "وذلك لإجماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمته على ستة أسهم. ولو كان لله فيه سهم، كما قال أبو العالية، لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم. وفي إجماع من ذكرت، الدلالة الواضحة على صحة ما اخترنا"..
١٩ التمهيد ٢٠/٤٧، والمسوى شرح الموطأ ٢/٣١٣، بلفظ: "اتفق أهل العلم على أن الغنيمة تخمس".
وفي جامع البيان ١٣/٥٥٢: "وإنما اختلف أهل العلم في قسمه على خمسة فما دونها، فأما على أكثر من ذلك، فلا نعلم قائلا قاله غير الذي ذكرنا من الخبر عن أبي العالية"..

٢٠ انظر: أحكام القرآن ١/١٥٦، ١٥٧، ومعاني القرآن للزجاج ٢/٤١٤، وهو في تفسير البغوي ٣/٣٥٧، ٣٥٨، وبداية المجتهد ٦/٤٩، وتفسير الرازي ٨/١٧٠، وهو المرجح فيه، وتفسير القرطبي ٨/٩، والتسهيل ٢/٦٦، وفتح القدير ٢/٣٥٤، بألفاظ مطولة ومختصرة..
٢١ كذا في المخطوطتين، وهو وهم من أبي محمد مكي، رحمه الله، وفي مصادر التوثيق أسفله، هامش ٦: "اليتامى" وهو الصواب الذي يعضده نص التلاوة..
٢٢ متفق عليه. انظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته ٢/١٢٥٤، رقم: ٧٥٥٩..
٢٣ في الأصل الرسول الله، وهو خطأ ناسخ وفي "ر" مطموس بفعل الرطوبة والأرضة..
٢٤ معاني القرآن للزجاج ٢/٤١٥، وتفسير الرازي ٨/١٧٠، وتفسير القرطبي ٨/٩، والتسهيل ٢/٦٦، وفتح القدير ٢/٣٥٤، بألفاظ مطولة ومختصرة. انظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/٦٠..
٢٥ معاني القرآن للزجاج ٢/٤١٥، ٤١٦، وفيه احتجاج لمالك بنصوص قرآنية تقوي مذهبه، والمحرر الوجيز ٢/٥٢٩، وبداية المجتهد ٦/٤٩، وتفسير الرازي ٨/١٧٠، وتفسير القرطبي ٨/٩، وفيه: "وبه قال الخلفاء الأربعة، وبه عملوا"، وتفسير ابن كثير ٢/٣١٢، وفيه: "وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية رحمه الله: وهذا قول مالك، وأكثر السلف وهو أصح الأقوال". والقوانين الفقهية ١٧٣، والتسهيل ٢/٦٦، وفتح القدير ٢/٣٥٤..
٢٦ في المخطوطتين ﴿ذوي﴾ وهو نص سورة البقرة /١٧٦..
٢٧ وهو قول مجاهد، وعلي بن الحسين، وابن عباس، وابن جريج، كما في جامع البيان ١٣/٥٥٣-٥٥٥، الذي نقل عنه مكي. وفي تفسير القرطبي ٨/١٠: "وهو قول مالك، والثوري، والأوزاعي"..
٢٨ انظر: جامع البيان ١٣/٥٥٥، وتفسير ابن أبي حاتم ١٧٠٤، وتفسير ابن كثير ٢/٣١٢، وفيه: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن معنى: "ذوي القربى" قال: فكتب إليه ابن عباس: "قد كنا نقول: إنا هم، فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو القربى".
قال ابن كثير المصدر السابق، "وهذا الحديث صحيح رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد المقبري عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن: ذوي القربى".
وهناك قول ثالث في معنى: "ذوي القربى"، لم يذكره مكي: أنهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب. وبه قال الشافعي كما في جامع البيان ١٣/٥٥٦، وهو الاختيار فيه، وزاد القرطبي ٨/١٠، نسبته إلى أحمد، وأبي ثور، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، ومسلم بن خالد. وهو قول جمهور العلماء عند ابن كثير ٢/٣١٢، انظر: زاد المسير ٣/٣٦٠، والدر المنثور٤/٦٨..

٢٩ جامع البيان ١٣/٥٦٠.
قال ابن كثير ٢/٣١٣: "واختلف العلماء هل يختص بالأيتام الفقراء، أو يعم الأغنياء والفقراء؟ على قولين"..

٣٠ جامع البيان ١٣/٥٦٠، وتمامه: والحاجة من المسلمين..
٣١ في "ر": المتجاوز..
٣٢ جامع البيان ١٣/٥٦٠، وفيه: "سفرا" مكان "مسافرا".
قال ابن عطية في المحرر ٢/٥٣١: "... الرجل المجتاز الذي قد احتاج في سفر، وسواء كان غنيا في بلده أو فقيرا، فإنه ابن السبيل، يسمى بذلك إما لأن السبيل تبرزه، فكأنها تلده، وإما لملازمة السبيل كما قالوا: ابن ماء، وأخو سفر..".
وقال ابن كثير ٢/٣١٣: ".... هو المسافر أو المريد للسفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، وليس له ما ينفقه في سفره ذلك..."..

٣٣ جامع البيان ١٣/٥٦٠، بتصرف في ألفاظه..
٣٤ وهو تفسير ابن عباس، ومجاهد، في جامع البيان ١٣/٥٦١، وفي تفسير ابن كثير ٢/٣١٣، "قال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس:.... ، رواه الحاكم. وكذا قال مجاهد ومقسم، وعبيد الله بن عبد الله، والضحاك، وقتادة، ومقاتل بن حيان وغير واحد أنه يوم بدر"..
٣٥ وهو تفسير مقاتل بن حيان في تفسير ابن أبي حاتم ٥/١٧٠٧..
٣٦ في الأصل: والتسعة المائة، وفي "ر" والتسع المائة..
٣٧ وهو قول عروة بن الزبير، كما في جامع البيان ١٣/٥٦١، وانظر: فيه أقوالا أخرى، وتفسير ابن كثير ٢/٣١٣، والدر المنثور ٤/٧٢، بتصرف..
٣٨ في الأصل: نحو، وهو تحريف..
٣٩ معاني القرآن للزجاج ٢/٤١٦، باختصار.
قال أبو حيان في البحر ٤/٤٩٥،: "وأبعد من ذهب إلى أن الشرط متعلق معناه بقوله: ﴿نعم المولى ونعم النصير﴾، والتقدير: فاعلموا أن الله مولاكم".
وقال السمين في الدر المصون ٣/٤٢١،: "وزعم بعضهم أن جواب الشرط متقدم عليه [أي: على الشرط] وهو قوله: ﴿نعم المولى﴾، وهذا لا يجوز على قواعد البصريين"..

٤٠ زيادة لازمة من "ر" ومعاني القرآن للزجاج، الذي نقل عنه مكي..
٤١ معاني القرآن للزجاج ٢/٤١٦، وتمام نصه: "في الغنيمة".
وفي البحر المحيط ٤/٤٩٥: "وجواب الشرط محذوف، أي: إن كنتم آمنتم بالله، فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به، ولا يراد مجرد العلم، بل العلم والعمل بمقتضاه".
وهو الوجه الصحيح في المحرر الوجيز ٢/٥٣١، وقول الجمهور في الدر المصون ٣/٤٢٠. والوجهان في تفسير القرطبي ٨/١٥، وفتح القدير ٢/٣٥٤..

٤٢ في الأصل: على هلاك، وأثبت ما في "ر" وجامع البيان الذي نقل عنه مكي.
وفي الصحاح / هلك: وقال أبو عبيد: تميم تقول هلكه يهلكه هلكا، بمعنى أهلكه..

٤٣ لحق في الأصل..
٤٤ جامع البيان ١٣/٥٦٠ باختصار..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى