المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
هذا أمر بما فيه داعية النصر وسبب العز، وهي وصية من الله متوجهة بحسب التقييد التي في آية الضعف(١)، ويجري مع معنى الآية قول النبي ﷺ :«لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا »(٢).
قال القاضي أبو محمد : وهكذا ينبغي أن يكون المسلم في ولاية الإمارة والقضاء لا يطلب ولا يتمنى، فإن ابتلي صبر على إقامة الحق، و «الفئة » الجماعة أصلها فئوة وهي من فأوت أي جمعت، ثم أمر الله تعالى بإكثار ذكره هنالك إذ هو عصمة المستنجد ووزر(٣) المستعين، قال قتادة : افترض الله ذكره عند أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف.
قال القاضي أبو محمد : وهذا ذكر خفي لأن رفع الأصوات في موطن القتال رديء مكروه إذا كان إلغاطاً(٤)، فأما إن كان من الجمع عند الحملة فحسن فاتٌّ في عضد العدو، وقال قيس بن عباد : كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون الصوت عند ثلاث : عند قراءة القرآن وعند الجنازة والقتال، وقال النبي ﷺ :«اطلبوا إجابة الدعاء عند القتال وإقامة الصلاة ونزول الغيث »(٥)، وقال ابن عباس يكره التلثم عند القتال.
قال القاضي أبو محمد : ولهذا والله أعلم يتسنن(٦) المرابطون بطرحه عند القتال على ضنانتهم به و ﴿تفلحون﴾ تنالون بغيتكم وتبلغون آمالكم، وهذا مثل قول لبيد :[ الرجز ]
أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضْضعف وقد يخدع الأريب(٧)
١ - هي قوله تعالى في الآية (٦٦) من هذه السورة: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾..
٢ - قال ابن كثير في تفسيره: "ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله ﷺ انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدوّ حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقل: (يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)، ثم قام النبي ﷺ وقال: (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم). ثم نقل عن عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر مثله. (تفسير ابن كثير ٣/ ٣٢٩، ٣٣٠)..
٣ - الوزر: الملجأ والمعتصم (المعجم الوسيط).
٤ - اضطربت الأصول في هذه الجملة- ففي بعضها:" إذا كان إلغاطا"، وفي بعضها: إذا كان الغايط واحدا، والصواب ما ذكره محقق القرطبي ناقلا عن ابن عطية: "إذا كان الذكر واحدا، فأما إن كان من الجميع... الخ"..
٥ - أخرج الحاكم وصححه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثنتان لا تردان، الدعاء عند النداء وعند البأس، حين يلحم بعضهم بعضا) (الدر المنثور)..
٦ - وأيضا اضطربت الأصول في هذه الجملة، ففي بعضها: "يتسنن"، وفي بعضها "استنّ"- والتصويب عن القرطبي الذي قال: "والتصويب عن تفسير ابن عطية"، والمراد أن المرابطين آثروا التبرك بترك اللثام عند القتال على شدة تمسكهم به..
٧ - المعروف أن البيت لعبيد بن الأبرص، وهو من قصيدته المشهورة- على الرغم مما فيها من اضطراب فني- والتي يقول مطلعها:
أقفر من أهله ملحوب فالقطيبات، فالذنوب
وأفلح بما شئت: عش به. والأريب: العاقل. ورواية الديوان: "فقد يدرك"، ويروى: "بالنّوك" بدلا من "بالضعف". والمعنى: عش كما تشاء فلربما نال الضعيف بضعفه مالا يناله القوي بقوته. هذا وقد سبق الاستشهاد به عند تفسير قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا﴾ الآية (٢٢) من سورة (الأنعام)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى