فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ ليس هذا تكريراً لما قبله فإن الأوّل مقيد بإرادة الخدع ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله﴾ فهذه كفاية خاصة. وفي قوله :﴿يا أيها النبي حَسْبُكَ الله﴾ كفاية عامة غير مقيّدة، أي حسبك الله في كل حال، والواو في قوله :﴿وَمَنِ اتبعك﴾ يحتمل أن تكون للعطف على الاسم الشريف. والمعنى : حسبك الله وحسبك المؤمنون، أي كافيك الله وكافيك المؤمنون، ويحتمل أن تكون بمعنى مع كما تقول : حسبك وزيداً درهم، والمعنى : كافيك وكافي المؤمنين الله، لأن عطف الظاهر على المضمر في مثل هذه الصورة ممتنع كما تقرّر في علم النحو، وأجازه الكوفيون. قال الفراء : ليس بكثير في كلامهم أن تقول حسبك وأخيك، بل المستعمل أن يقال : حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار، فلو كان قوله :﴿وَمَنِ اتبعك﴾ مجروراً لقيل : حسبك الله وحسب من اتبعك، واختار النصب على المفعول معه النحاس، وقيل يجوز أن يكون المعنى : ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله فحذف الخبر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البزار عن ابن عباس قال : لما أسلم عمر قال المشركون : قد انتصف القوم منا اليوم، وأنزل الله ﴿يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾. وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال : لما أسلم مع النبي ﷺ تسعة وثلاثون رجلاً وامرأة، ثم إن عمر أسلم صاروا أربعين فنزل :﴿يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن سعيد بن جبير، قال : لما أسلم مع النبيّ ﷺ ثلاثة وثلاثون وست نسوة ثم أسلم عمر نزلت :﴿يا أيها النبي حَسْبُكَ الله﴾. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن الزهري في الآية قال : نزلت في الأنصار، وأخرج البخاري في تاريخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الشعبي في قوله :﴿يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ قال : حسبك الله وحسب من اتبعك.
وأخرج البخاري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال : لما نزلت ﴿إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ﴾ فكتب عليهم أن لا يفرّ واحد من العشرة، وأن لا يفرّ عشرون من مائتين، ثم نزلت ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ الآية، فكتب أن لا يفرّ مائة من مائتين قال سفيان : وقال ابن شبرمة : وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا، إن كانا رجلين أمرهما وإن كانوا ثلاثة فهو في سعة من تركهم، وأخرج البخاري والنحاس في ناسخه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال : لما نزلت :﴿إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ﴾ شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفرّ واحد من عشرة، فجاء التخفيف ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ الآية قال : فلما خفّف الله عنهم من العدّة نقص من الصبر بقدر ما خفّف عنهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى