جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.


يقول تعالى ذكره لنبيه : وإن يرد هؤلاء الأسارى الذين في أيديكم خيانتك : أي الغدر بك والمكر والخداع، بإظهارهم لك بالقول خلاف ما في نفوسهم، فَقَدْ خَانُوا الله مِنْ قَبْلُ يقول : فقد خالفوا أمر الله ممن قبل وقعة بدر، وأمكن منهم ببدر المؤمنين. والله عَلِيمٌ بما يقولون بألسنتهم ويضمرونه في نفوسهم، حَكِيمٌ في تدبيرهم وتدبير أمور خلقه سواهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس : وَإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ يعني : العباس وأصحابه في قولهم : آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومنا يقول : إن كان قولهم خيانة فقد خانوا الله من قبل، فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ يقول : قد كفروا وقاتلوك، فأمكنك الله منهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ. . . الآية. قال : ذكر لنا أن رجلاً كتب لنبيّ الله ﷺ، ثم عمد فنافق، فلحق بالمشركين بمكة، ثم قال : ما كان محمد يكتب إلا ما شئتُ فلما سمع ذلك رجل من الأنصار، نذر لئن أمكنه الله منه ليضربنه بالسيف. فلما كان يوم الفتح أمّن رسول الله ﷺ الناس إلا عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومقيس بن صُبابة، وابن خطل، وامرأة كانت تدعو على النبيّ ﷺ كل صباح. فجاء عثمان بابن أبي سرح، وكان رضيعه أو أخاه من الرضاعة، فقال : يا رسول الله هذا فلان أقبل تائبا نادما، فأعرض نبيّ الله ﷺ. فلم سمع به الأنصاريّ أقبل متقلدا سيفه، فأطاف به، وجعل ينظر إلى رسول الله ﷺ رجاء أن يومئ إليه. ثم إن رسول الله ﷺ قدم يده فبايعه، فقال :«أَمَا والله لقد تَلَوّمْتُكَ فيه لتُوفي نَذْرَكَ »، فقال : يا نبيّ الله إني هبتك، فلولا أومضت إليّ فقال :«إنّه لا يَنْبَغي لِنَبيّ أنْ يُومِضَ ».
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللّهَ مِنْ قَبْلُ فَأمْكَنْ مِنْهُمْ يقول : قد كفروا بالله ونقضوا عهده، فأمكن منهم ببدر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى